-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
ميلاد مجتمع وبناء دولة

خمسون عاما من الحرية والاستقلال

صالح عوض
  • 6461
  • 13
خمسون عاما من الحرية والاستقلال

كم أشعر بضرورة أن آخذ نفسا عميقا أتبعه بزفير طويل علني أمتلك من التروي ما يكفي للكتابة عن زمن الحرية والاستقلال والإحساس بشعور من خلع جلد الهزيمة وأماط عن طريقه الأشواك والمنغصات.. كيف لا وأنا في حضرة جلالة الثورة الجزائرية العظيمة التي أعادت الى العالم شعبا بهوية حضارية متميزة وحيوية فعالة بعد أن ظن الظانون أنه قد درست معالمه وبادت لغته وتفككت شبكة علاقاته الاجتماعية.

في لحظات التاريخ الفارقة في عمر امة او شعب يهيئ الله من يقوم بمهمة بعث الروح في الجموع فيتحول الخشب اليابس الى أغصان مورقة، ويجري النهر ببركات المياه العذبة الرقراقة.. هكذا تكون مهمات الأنبياء والرسل والمجددين والمصلحين الكبار مفرق طريق واضح المعالم بين منطقتين ومجالين.. وفي هذه اللحظة الفارقة تكون دعوة النبي والمصلح والمجدد غريبة كل الغرابة بعد ان استكان الناس للظلم والهوان واستسلموا لأقدار العبودية عن ألم وقهر.. فيكون النبي والمصلح والمجدد كأنما يحرثون في الهواء ويبذرون في البحر الأجاج.. وشيئا فشيئا حتى تمزق صرخات الحق حجب الظلام وينبجس النور، نور الشمس يعطب العالمين.

أجل لقد كان اجتماع الرجال الرواد الاثني والعشرين في المرادية لحظة إيداع التاريخ بذرة مجتمع جزائري ودولة جزائرية، وكان ذلك مدفوعا بوحي روح تحررت من القيود، روح صافية ونبيلة ومقدامة، فكان الإعلان الأول عن ميلاد الثورة هو في حقيقته إعلان عن ميلاد مجتمع جديد.

شهدت سنوات الثورة المسلحة السبع ونصف عبقريات متنوعة في إدارة الصراع السياسي والأوضاع التنظيمية وكل ما يتبع ذلك من ترتيبات قتال أو إعداد له او تموين او تدريب او اتصال أو.. لقد كانت تفاصيل الثورة اليومية في هذا الجانب تعبر عن دفق غير محدود من العبقريات العظيمة في مواجهة الاستعمار الفرنسي المدجج بالسلاح والتخطيط والتنوع في الأساليب.. ومع هذا الانجاز الكبير على مدار السنوات السبع ونصف كانت شبكة العلاقات الاجتماعية تتشكل من جديد، وكانت كلمة البيان الأول، بيان نوفمبر هو الروح التي دخلت على الأفراد والتجمعات وأشعلت فيهم موقد النهضة، وارتفعت بهممهم، وسمت بأرواحهم، وحددت للجموع أهدافهم المقدسة، فنشأت عن ذلك قيم جديدة من البذل والتضحية والأخوة والمحبة والجهاد، فقام الأفراد والتجمعات بما تزودوا به من روح وقيم جديدة ليشكلوا مجتمعا جديدا نفض عن كاهله العجز والكسل والسكينة والخضوع، وأصبحت إزاء واقع جديد تمام الجدة، لغة جديدة وثقافة جديدة ومجالات للتنافس جديدة، فكان المجتمع الجزائري بحق مجتمعا غير ذلك الذي كان قبل الإعلان عن الثورة.

وانتصرت الثورة المسلحة على جيوش فرنسا.. وانتصر في حقيقة الأمر المجتمع الجزائري في امتحان المخاض والولادة والانفصال العفي والقوي عن الاستعمار الثقافي والمادي الفرنسيين.. وكان على حملة المشعل ان لا يتوقفوا في نصف الطريق أو أن ينزووا الى ظل ظليل من تعب أرهق أبدانهم المنهكة.. وجد حملة المشعل ان العمل لا بد ان يستمر على جبهتين أولهما جبهة تمتين المجتمع بمؤسسات وإدارات وقوانين وهياكل ووضع خطط للتطوير والبناء الاجتماعي والثقافي ومعالجة آثار الحرب ومآسيها من مراعاة للأسرة الثورية.. والجبهة الثانية جبهة بناء الدولة التي تليق بمجتمع أعطى كل ما يستطيع وبعبقرية لانتزاع الحرية والاستقلال.. دولة لا تزول بزوال الرجال، تصبح قادرة على ان يحتكم إليها الناس في شؤونهم.. دولة بما فيها من مؤسسات قضائية ومؤسسة تشريعية وأجهزة تنفيذية وأمنية وأحزاب وقوى سياسية ودستور وقوانين.

لقد كان المطلوب على صعيد بناء المجتمع والدولة كثيرا، كيف لا والبلد والشعب يخرج للتو من حرب ضروس ولا يرث من الإمكانات المادية والخبرات المدنية ما يكفي لملء الفراغ المذهل على مستوى الإدارة والمرافق العمومية في عديد المجالات، بل لعل الخزينة كانت فارغة الوفاض، الأمر الذي دفع المجتمع فاتورته فورا عندما نهض المجتمع لسد العجز من قوت الأطفال.

في هذه الرحلة الطويلة الشاقة، تعددت الاجتهادات وتنافرت أحيانا الرؤى والأفكار في كيفية بناء الدولة والمجتمع، إلا أن الجزائر المجتمع ظل بخير رغم كل ما ينتابه من وعكاء او ضجر.. لم تمر السنون الخمسون بانسيابية ولكنها تسير نحو استقرار المعاني الكبيرة على صعيد الدولة والمجتمع.. ولم يكن متوقعا ان تمر بانسيابية والناس لا يكتنزون نموذجا محددا واقعيا موحدا عن فلسفة الحكم ولا عن نظريته.. الا ان قوة المجتمع فرضت نفسها من حين لآخر عندما كان يتم البحث عن عناصر الهوية.

خمسون سنة من الحرية والاستقلال ولدت أجيالا من الجزائريين تحت ظل علم الجزائر ورايات الحرية.. ملايين الجزائريين لم يتنفسوا هواء مسموما من ثقافة المستعمرين بل هم في كامل الإيمان بأن بلدهم حر وسيد.. خمسون عاما من الحرية والاستقلال حقق الجزائريون فيها ما لم يحققه كثيرون بالنظر للظروف التي مرت بها الدولة الجزائرية والمجتمع الجزائري.. والحديث هنا لا يريد ان يتشعب في شأن الجامعات والمطارات والمصانع والطرق والكهرباء والمنشآت العامة وتسكين الملايين وتوظيف ملايين..

ان الانتصار لا يكون بالضرورة بضربة قاضية، فالانتصار الممتع يكون بتسجيل النقط.. والجزائر على مدار الخمسين عاما سجلت نقاط انتصار كثيرة محلية وإقليمية ودولية، وأمامها درب لاحب بالمهمات الكبيرة، وهي الآن أكثر من اي وقت مضى قادرة على التحرك نحو النهضة، وقد تحصنت بفعل التجارب والتعايش الذي اجبر عليه أصحاب الرؤى والفلسفات.

ولكل المتشائمين والمحبطين والذين لا يرون الا نصف الكأس الفارغ اقول اعقدوا مقارنة بين اليوم وما قبل الاستقلال او قبل عشر سنوات في كل مجال ستجدون الجزائر الى الأمام.. ومن المؤكد ان عشاق الجزائر يريدون لها المكانة العليا التي تليق بثورتها العظيمة على مستوى البحث العلمي والتطور والنهضة الصناعية ولكن كل شيء بأجل والله غالب على أمره.. مبروك للجزائر حريتها واستقلالها ومبروك لها خمسون عاما من الحرية والاستقلال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • جزائرية

    أعجبني مستواك اللغوي يأستاذ، هنيئا لمن لقنك لغة الضاد،
    صحيح خمسون سنة مرت، لكن ماذا حملت معها لخزانة التاريخ غير جيل عاش تحت راية الجزائر يموت غرقا في البحار ليلتحق بفرنسا و حلافائها، حملت أيضا جزائريون يمتون فقرا و أموال دولتهم في يد كمشة من الأغنياء مودعة في بنوك فرنسا و حلافائها
    حملت أيضا الفساد صار طاعونا فأصاب حتى المساجد و المدارس و المستشفيات مما يدفع بمن ضاقوا مرارته إلى تمني بقاء فرنسا
    خمسون سنة حملت أيضا الجزائر تتمخض و الحمل كاذب فلا مشروع مجتمع و لا هيبة دولة ولا مناهج تعليمية

  • NAAS

    اذا مرا عينا خمسون سنة من الاستقلال فسوف اروى لك واقعة في مستشفى اولاد محمد بالشلف:
    اصيب ابى بجرح على مستوى الاصبع في الرجل فذهب الى المستشفى وتمى تخيط الجرح وبعد 15 يوما عاد من اجل نزع الخيط فرفظت الممرضة بنزعه واقسمت على ذلك فذهب ابي الى المسؤول فقال له ما عساني ان افعل لها فعاد ابي الى المنزل يبكي وفي الغد ذهب الى طبيب خاص اذ كان هذا هو الاستقلال فابي راهم يقلكم عشت المر اما فرنسا والمرارة امام المسؤولين الجزائرين ومن يمثلون الدولة.

  • هارون

    الايكفينا المطبلون عندنا حتى تستوردوا لنا هذا المطبل ياشروق

  • جزائرية وافتخر

    لا نجيد الا انتقاد الحكومة الجزايرية
    فهل حاولنا يوما انتقاد انفسنا وكاننا ملائكة
    شعبنا اعزائي بعضه وليس كله مشحاح ما يحبش يصرف يحب كل شيئ يجي من عند الدولة الخدمة والدار و..و..فسؤال واحد يكفينا في عهد الرسول كانو يمدو السكنة والخدمة مسورية ؟جاوبوني بليز
    شعبنا يعرف يكالي الحيط ويمنشر
    شعبنا يعرف يسرق ويعرف يبكي بالبح هو متخم بالدراهم
    شعبنا يعرف غير الغيبة و شتم دولته
    شعبنا يعرف يشتكي ويتمسكن وكان لا كرامة له
    وفي الغالب هده الكلمات لا تنطبق الا على من كان اول المستفادين ماديا
    تحيا الجزائر

  • جزائرية وافتخر

    لاتتكلم باسم الشعب فانت لا تمثلنا

    هو لم يقصد ما فهمته هو اراد ان ينوه الى وجوب التفائل بشان

    مصيرنا وعدم دكر السلبيات فقط

    الجزائرلها انجازات جمة لم يرها المتشاءمون الدين يحلمون بتطور

    الجزائر بين ليلة وضحاها

    فالتطور يحتاج الى وقت و50 سنة لا تعد شيئا يدكر فالمانيا احتاجت

    الى قرون انطلاقا من نهضة ادبية الى علمية والجزائر لا زالت لم

    تحقق المؤهلات في هده المدة القصيرة نظرا للظروف لكنها بالمقابل

    حققت انجازات فملامح دولة قوية تسطع في الافق لا يراها الا

    المتقفون والمتفائلون والمنطقيون

  • مهندس

    كفانا و الله هذا كثير ... اننا اخر الامم والحمد لله. 50 سنة استقلال اين نحن ... اذا كنا سنقارن نفسنا مع موزميبق و الغابون.. فنحن بخير حاليا غير هذا احتفظ بتفاؤلك لنفسك

  • salim

    شكرا للمحلل المفكر المثقف الرائع الدكتور صالح عوض حقيقة نصوصك دائما تعبر عن الواقع باكثر واقعية واحترافية وحيادية منقطعة النظير نعم هناك نقائص كثيرة وكثيرة جدا ولكن بالمقابل نعم هناك انجازات ويجب علينا النظر بايجابية وتفاؤل نحو المستقبل لان العالم اليوم لامكان فيه للتشاؤم والمتشائمين , ونحن كزائريين لنضحي فقط بثلث ما ضحى به اباءنا واجدادنا من اجل هذا الوطن وسنرى المعجزات في هذا البلد العزيز ,,,,,علينا ان نتساءل ببراءة ماذا قدمنا نحن جيل الاستقلال للجزائر حتى ننتظر منها كل شيء ؟؟؟ سلام

  • hocine from sweden

    لاتنفخنا كثيرا ياعوض وإن أحببتنا في الله فاصرحنا ودلنا على على أخطائنا! نحن نعيش 50 السنة بعد سرق الثورة من الشعب الجزائري! أما الإستقلال فالشعب الجزائري مطالب بإكماله وفاء منا لي أجدادنا الشهداء ووطنا. أما المقارانا فإننا نقارن بلدنا بالدول المتقدمة كي نعرف أين نحن ؟! ولا تضحك علينا نحن دولة وزنها أكثر من بريطنيا وفرنسا مجتمعتين وطن شاسع به كل الخيرات شعب صبور مقاوم وووووو! وأنضر أين أوصلنا الإستقلال نرمي نفسنا في البحر هربا من جحيم حكم الديناصورات! الشعب يوريد إكمال الإستقلال.

  • م . غيور

    شكرا لك سيدي على هذا التفاؤل نحو مستقبل الجزائر ، فنحن اليوم يكفينا فخرا أن نقف وقفة اجلال واحترام لأوئك الذين ضحوا بأنفسهم بالنفس والنفيس وندعو لهم بالرحمة أما نحن بعد 50 سنة فنقول لأنفسنا آن الأوان أن يعاد الاعتبار للشخصية الجزائرية وتقويم اعوجاجها عن طريق تطبيق الحكم الراشد المتمثل في التنمية البشرية والنهضة الثقافية بتسطير البرامج الثقافية الحقيقية وإتاحة الفرصة لكل مخلص لهذا الوطن أن ينتج ويبدع من جديد .

  • مصطفى بوحاجب

    بسم الله الرحمان الرحيم.
    لا أعرف بالضبط ما الذي تسعى إليه من مقالك،
    هل تريد التبرير لسلطة عسكرية تحكم رغم أنف الشعب أم التبرير لشعب عاجز عن إرساء حكم مدني هو الذي يختاره؟
    لا أعتقد أن الحل في الجزائر هو التزلف للسلطة بتعداد إنجازاتها الزائفة فيحين أن الإخفاقات المدوية ظاهرة للعيان.
    إن الذي يدعي حب الجزائريين هو الذي يتمنى لهم ازدهارا في مستوى ثورتهم المجيدة و ذاك لا يكون إلا بفتح أعينهم على مشاكلهم الحقيقية و وصف الحلول الناجعة لها و شكرا.

  • محب للوطن

    بارك الله فيك يا أخ عوض, و لقد قلت المفيد في وقتنا هذا "ولكل المتشائمين والمحبطين والذين لا يرون الا نصف الكأس الفارغ..."

    فهؤلاء اللذين ذكرتهم و بتشاؤمهم "الغير مبرر" قد تجدهم في الصفوف الأولى من اللذين استفادوا من شتى أنواع الحقوق و الإمتيازات و لكن ..."في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا"

    لو عاشوا يوم واحد تحت حكم زين العابدين أو مبارك لترحموا ليل نهار على وطنهم و على قادته رغم اختلافهم و نقائصهم.

    مشكلتنا تكمن في أن الوطنيين الحقيقيين لا تعلو أصواتهم, ففرغت الساحة لمرضى النفوس لتعيث فيها فسادا.

  • amina

    wallah inta ya sayidi el karim 3atitna nadra mochrika lljazaer inta tastahik an takoun jazaery f amtalok yaftakhir bihoum 3ala rasna sayid el karim

  • nacim elhoria

    كلمات جميلة اردت ان تهنئنا بها نعم شمس الحرية لم تشرق على الجزائر الا بعد جهد جهيد لكن المقاومة لم تتوقف منذ ان دخل المستدمر ارضنا انه جهاد كل الاجداد والاباء الذين لم ينسو قط انتمائهم الى امة الاسلام والى كل الذين يعتقدون ان بذل الجهد و النضال قد انتهى اقول الجزائر تستحق منا اكثر و اكثر ما شدني فيما قاله المجاهد محساس انه حلف على المصحف لاجل الانتصار للشعب والجزائر من يفعل منا ذلك اليوم هذا هو الحب الحقيقي هذا هو سبيل خلاص الجزائر