خيار الشعوب لحمل الصفوة على ترجيح ثقافة التسوية
الديمقراطية التي تتقاتل من أجلها الشعوب العربية اليوم كانت وستبقى أكبر أكذوبة في تاريخ الاجتماع البشري، لأنها تخلق وهما عند الشعوب بأنها صاحبة الكلمة الفصل، المالكة للسلطة، في حين أن لعبة السلطة كانت وستبقى حكرا على النخبة التي إنما تستدعي الشعوب كقوة ترجيح لحسم صراعاتها على السلطة ليس إلا، لتدفع الشعوب الثمن، وتتفرد النخب بقطف الثمار.
- طوال الشهور العشرة الماضية، انشغلت خلالها بموازنة أحداث ومآلات “الحراك الشعبي” في العالم العربي بما له وما عليه، توافدت علي مئات الرسائل من القراء، بعضها تفهم موقف التشكيك الذي تعاملت به مع الحراك، وهم قلة، وثلة منهم كانت وما زالت ناقمة على أي تحليل يجتهد بعقل بارد مع أحداث، وراء الأكمة فيها ما وراءها، قد تعدد فيها الفاعلون من الداخل والخارج، واختلط فيها الحابل بالنابل، وغلب فيها المتشابه من الخطاب الغوغائي على المحكم من الرأي المتوازن، لكن الجميع ظل يطالبني بتقديم البديل.
- البديل للأسئلة عن البدائل
- لقد كان بوسعي، كما بوسع أي محترف في مهنة الصحافة القول: ليس من مهام الصحافة ورجال الإعلام التطاول على ما هو عرف من اختصاص الساسة، والمراجع الأكاديمية في الاقتصاد والاجتماع البشري، فلكل مهنته واختصاصه، ومهنة الصحافة: إخضاع الأحداث والمواقف للمساءلة، وتقريب الصورة، وتفكيكها وإعادة تركيبها، وفحصها من أكثر من زاوية، وتسليط الأضواء عليها، حتى يتمكن القارئ من صناعة موقفه الشخصي، وليس تبني الموقف الجاهز الذي يسوقه له الساسة، أو يراوده عليه قادة الرأي. ومع وجود هذا التحفظ، فإن الإعلامي يبقى مواطنا له الحق في إبداء الرأي، والتمسك بالشعار القائل: ”رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيكم خطأ يحتمل الصواب”، ثم إنه، وحتى مع وجود الرغبة في الاستجابة لطلبات القراء بشأن تقديم البدائل، يكون من الواجب التنبيه إلى أمرين:
- الأول: أن انتقاد الساسة والنخب الحاكمة، ومن يعضدها من نخبها العضوية، لا يعني بالضرورة اتهامها بالجهل بالبدائل، بل يكون أقرب إلى الصواب اتهامها بتجاهل البدائل لحاجة في نفس اليعاقبة في صفوفها.
- الثاني: أن البدائل لا تعني شيئا، وهي محض ترف فكري، ما لم تجد قوة تدعمها وإرادة سياسية تؤمن بها ثم تتبناها، وتنقلها إلى ساحة التنفيذ، ومن أجل ذلك لا يلتفت عادة سوى للأفكار والبرامج التي تتبناها القوة الماسكة بالسلطة، أو التي لها حظ في الوصول إلى السلطة.
- غير أنه، وما دام الكثير من القراء طالبني بتقديم البديل، فإني سوف أخصص من حين لآخر هذه المساحة الأسبوعية لعرض ما أعتقد أنه بدائل ممكنة ومعقولة قابلة للتنفيذ، لها أكثر من وجه تناغم مع طبيعة مجتمعاتنا، ومكونات هويتها الثقافية والدينية، وحاجة مجتمعاتنا إلى تحقيق السلم الاجتماعي والسياسي، والصلح مع مفردات الهوية، قبل التفكير بجدية في صياغة حلول بديلة للمشاكل الكبرى التي تطرح في الاقتصاد، وقبل هذا وذاك البحث في البدائل القادرة على تحقيق مستوى من الأمن الاستراتيجي للبلد ولمواطنيه.
- الصورة البشعة التي تناقلتها أمس الأول الفضائيات عن إعدام وتصفية الزعيم الليبي على يد ثوار النيتو، وقبلها صور التدمير الشامل التي لحقت بمعظم المدن الليبية، وعشرات الآلاف من الضحايا الليبيين من الفريقين، هي كفيلة بالإجابة على السؤال الرئيس الذي طرح علي أكثر من مرة: هل كان بيد الشعوب العربية بديل آخر غير خيار التغيير بالقوة؟
- الاسترشاد بثقافة عام الجماعة
- لست متأكدا من أن الشعوب العربية جاهزة أو قادرة حتى على مجرد التفكير في البدائل الممكنة بل والواجبة، إذا كانت هي ونخبها لم تؤمن بعد بوحدة المصير، وارتباط مصالحها شاءت ذلك أم أبت، بمعنى أن النخب الحاكمة لن تنعم بالأمن والأمان ما لم تجتهد لتوفير قدر من الأمن والأمان لشعوبها كنوع من الاستثمار المنتج لفرص البقاء لها ولمواطنيها، وما لم تقتنع الشعوب بدورها، من أن التغيير بطرق العنف لن ينتج سوى أنظمة تدين بالعنف، ثم تبحث مع نخبها، في الحكم كما في المعارضة، عن تسوية تاريخية فيما بينها، كنت قد عرضت خطوطها العريضة في مقال سابق لاندلاع حراك الشارع العربي.
- وقتها اكتفيت بذكر ثلاثة شواهد: من تاريخنا الإسلامي، من تجربة عام الجماعة، حين آثر سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم التنازل طواعية عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين، فحصلت تسوية تاريخية بين القوى المتنازعة على السلطة، وسقت مثالا آخر حديث من التسوية التاريخية التي أخرجت إيطاليا من الفوضى والاقتتال والتشرذم في القرن التاسع عشر، وربما كان يحسن بي أن أستفيض أكثر في استعراض الكثير من التجارب الحديثة الناجحة، التي كانت جميعها ثمرة لتسوية تاريخية، سمحت للنخب وللشعوب بصرف النظر عن الخيارات الأخرى العدمية والمحفوفة بالمخاطر.
- لجم الصراع بأدوات التوافق والتسوية
- الأمثلة كثيرة ومتعددة في الشرق والغرب، والشمال والجنوب. ومن ذلك أن جنوب إفريقيا اختارت بعد انهيار نظام الأبرتيد سبيل التسوية الذي سمح لمجتمع البيض بالشراكة في بناء دولة تحكمها بالضرورة الأغلبية السمراء. ومنها أن نجاح التجربة التي يقودها الإسلاميون الأتراك، إنما تدين لتسوية تاريخية، اهتدوا إليها مع العسكر ومع جانب من القوى العلمانية، أخرجت الإسلاميين من دائرة الريبة والاتهام، ومنها أن اليابانيين والألمان لم يتمكنوا من تجاوز محنة الهزيمة والخراب، ثم الاحتلال المزمن، إلا بعد أن حصل توافق بين نخبهم حول واجب موازنة الاحتلال، وفقدان السيادة، بتوجيه جهد الأمة نحو إعادة بناء القوة الاقتصادية. وعندنا في النموذج الصيني مثال آخر لما يمكن للشعوب أن تنجزه حين تهتدي إلى خيار التسوية. فقد فشلت الثورة الماوية لعقود في إخراج المليار صيني من البؤس، حين جمعت بين البؤس الاجتماعي والاضطهاد السياسي، فجاءت التسوية التي تمت بين فصائل النظام بخيار اعتماد اقتصاد السوق، وحرية المبادرة، مقابل الإبقاء على المنظومة الشيوعية بكل مستوياتها الاستبدادية.
- النخبة الراعية لشعوب من الرعية
- في جميع هذه الأمثلة، تمت التسوية بين مكونات النخبة، ولم يكن للشعوب فيها دور يذكر سوى مسايرتها للنخبة وتقبلها للتسوية، وتحمل أعبائها، أو في الحد الأدنى الامتناع عن تعويق التسوية بطرق الاحتجاج والشغب. ذلك ما قبل به الشعب الصيني الذي تحمل التضحية بالكثير من حرياته الفردية والسياسية، مقابل عوائد التسوية المؤملة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وفي كل الأحوال، وتحت أي نظام حكم، فإن دور الشعوب محدود في التأثير على الخيارات التي تقوم بها النخبة، حتى في المجتمعات ذات التقاليد الديمقراطية، حيث يقتصر دورها في الغالب على ترجيح الكفة لصالح هذا الفريق أو ذاك من النخبة، ثم التوقيع على الوكالة ليس إلا.
- قد يصعب على البعض تقبل مثل هذا التوصيف لدور النخبة ودور الشعوب، التي هي مجموعة أفراد، ما لم ينخرط الفرد مع مجموعة تناضل من أجل الوصول إلى السلطة ومواقع القرار، وهي في الغالب مجموعة صغيرة العدد. يكفي أن أذكر القارئ أن حزبا حكم دولة بحجم فرنسا، مثل الحزب الاشتراكي، لا يتجاوز عدد مناضليه المائة ألف، وأن نعرف أن قلة قليلة من هذا العدد يمتلك سلطة القرار داخل مؤسسات الحزب، وهذا شأن جميع الأحزاب التي تتداول على السلطة في معظم الديمقراطيات الغربية، تقودها في الغالب طبقة أوليغارشية لا تختلف في نهاية الأمر عن صفوة النبلاء التي كانت تتوارث السلطة كابرا عن كابر، بل إن الصفوة من الأوليغارشية السياسية في بلد مثل الولايات المتحدة ليست بحاجة حتى للتنظيم الحزبي التقليدي، وقد استعاضت عنه وعن الأدوات التقليدية بأدوات حديثة اسمها التلفزيون ووسائط الاتصال العصرية.
- الواحد في المائة الغالب على أمر التسعة وتسعين
- فهم هذه الحقيقة من طرف الشعوب وتقبلها، مع ما فيها من تسفيه لأحلام الشعوب، سوف يساعدها على فهم الدور المنوط بها في هذه اللعبة القديمة قدم الاجتماع البشري، وأداء الدور بإتقان، وربما استعادة جانب من المبادرة من أيدي النخب، لأن النخب، وفي أي نظام كان، تحتاج دائما إلى قوة الترجيح التي هي بيد الشعوب، وإليكم بعض الأمثلة الحية مما تابعناه من أحداث الربيع العربي.
- لقد شهدت ميادين التحرير بمصر خروج مئات الآلاف من المصريين في أكثر من مليونية، غير أن نسبة من خرج للتظاهر، مع من تابع الثورة على شاشة التلفاز، لا تزيد عن واحد من بين 85 مصريا. وقد كان هذا العدد كافيا لترجيح الكفة لصالح النخبة من العسكر ومن الساسة المحترفين، التي فجرت الحراك، وقادته إلى نهايته، أما الكتلة الأكبر، والسواد الأعظم، فسوف يأتي دوره عند حلول موعد الانتخابات، وهنا أيضا سوف يستدعى “الشعب” كقوة ترجيح ليس إلا، إلى أن يراوده لاحقا فريق آخر من النخبة يريد الفوز بقوته الترجيحية، إما في مسار تغيير سلمي، أو عبر ميادين التحرير، أو بالطرق الدموية كما اختارت ذلك النخبة في ليبيا، فاستعانت بالقوة الترجيحية العنيفة للشعوب لاستئصال النظام وانتهى إلى مقتل زعيمه أمس الأول على مرحلتين ولشراكة قوات النيتو.
- كبائر النخبة واللمم من خطايا الشعوب
- هل كان أمام هذه الشعوب خيار آخر، يسأل الكثير من القراء؟ بلا أدنى تردد أزعم أن الشعوب تمتلك على الدوام الخيار، قبل أن تنساق خلف فريق من النخبة يدعوها إلى تفعيل قوة الترجيح بالعنف، بل وحتى بالطرق السلمية، لأنها هي من سيدفع الثمن، بينما تقطف النخب ثمار التغيير. ومع كل ما حصل، خاصة في الدول التي شهدت مسارات تغيير عنيفة ومكلفة، فإن الانتقاد يوجه بالكامل للفريق من النخبة الذي تمسك بالحكم، ولم يلتفت في وقت مبكر إلى حاجة المجتمعات العربية للتغيير، كما يوجه للفريق الآخر من الصفوة الذي استدعى قوة الترجيح الشعبي، ومعها في الحالتين التونسية والمصرية قوة العسكر، وفي الحالة الليبية ذهب حد الاستعانة بقوات الناتو، التي تكون قد أنجزت أمس الأول المهمة باستهداف الزعيم الليبي، وقتله كما قتل من قبل صدام حسين، لأن الفريقين من الصفوة لم يكلفا نفسيهما مؤونة البحث عن تسويات، على غرار ما قامت به النخب في الأمثلة التي ذكرتها من قبل، وسمحت لشعب مثل الشعب الصيني من الخروج من التخلف في أقل من عقدين، كما سمحت لشعوب أخرى في الهند، والبرازيل، وتركيا، وجنوب إفريقيا، من تجاوز أزمات معقدة، وحالة من الاستبداد والقهر والتخلف، تفوق بأشواط ما عانت منه الشعوب العربية.
- وإلى أن تنتج شعوبنا نخبا قادرة على تجاوز خلافاتها وتناقضاتها لتسلك سبل التسوية، فإن الحديث عن البدائل الممكنة في السياسة كما في الاقتصاد ونموذج التنمية تبقى مجرد ترف فكري قد يتسلى به بعضنا، لأن البدائل المنتجة للتغيير الذي يعود بالفائدة على المجموعات الوطنية تبقى مرتهنة بتوفر شرطين: نخبة قادرة على التفكير والعمل بذهنية وثقافة التوافق والتسوية، وشعوب فطنة لا تدخل في أي مسار بقوتها الترجيحية إلا بعد أن تمعن النظر في جدوى البدائل، وصدق النخب.