الرأي

داعش وأخواتها.. أين الأمن الديني؟

عدة فلاحي
  • 1563
  • 12

صرح الوزير الأول، عبد الملك سلال، خلال زيارته إلى بعض مناطق الجنوب الجزائري، بأنه لا يوجد عندنا “لا داعش ولا دويعش”، وبأن الجيش الجزائري له من الخبرة ومن الإمكانات ما يؤهله لمحاربة الإرهاب والقضاء عليه.

  وإذا كنا نؤيده في مقولته هذه، فـداعش وأخواتهاتنظيمات إرهابية ولكن لها خلفيات عقائدية وفكرية وبالتالي أين دور وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من هذه المعركة التي بالتأكيد لن تتوقف عندداعشوفقط ما دامت النصوص الدينية قد أضحت مستباحة ومادام الدهماء في مقدمة الصفوف إلى درجة أن صوتهم نتيجة تحكّمهم في تقنيات الإعلام والدعاية قد شد عقول وآذان الكبير والصغير من أبناء ملتنا ومن الملل الأخرى.

إذا كان الجيش الجزائري يضحي من أجل الحفاظ على السيادة الوطنية أمنياً، فوزارة الشؤون الدينية لا يمكن القول إنها تقوم بنفس التضحية من أجل تحقيق الأمن الديني.. وللأسف، الذين استعجلوا رحيل غلام الله، لأنه عمَّر طويلا في القطاع، وبلغ من الكبر عتيا، فخلفُه لم يضخّ إلى حد الآن دماء جديدة كما كان ينتظر منه: ولكن السؤال: أليس الفكر والسلوك الداعشي الذي ننكره ونستنكره لبشاعته ووحشيته ولاإنسانيته ساكناً فينا ونحن لا ندري؟ فحياتنا اليومية بيننا وبين غيرنا، سواء داخل أسرنا أم مع جيراننا أم في معاملنا وفي طرقاتنا وأسواقنا بل وحتى في مواسم أعيادناالفطر والأضحى ورمضان، داعشيونتفشي الإجرام والشجار في الأحياء إلى درجة استخدام السيوف، ارتفاع ضحايا الطرقات بسبب السرعة المفرطة وعدم الالتزام بقوانين السياقة، الغلاء الفاحش في الأسعار حتى في المناسبات الدينية، البيروقراطية والمحاباة والتسيب في أداء الواجب المهني وتبديد واختلاس المال العام وعشوائية البناء العمراني مع انتشار الفضلات في الشوارع من دون تقززأفسد علينا الحياة في بيئة نظيفة وكريمة وغيرها وغيرها كثير لا يمكن حصره والقائمة طويلة إلى درجة أنه حتى بيوت الله فقد فيها المسلم السكينة والقدرة على الوقار

عندما يجمع المنتسبون إلى السلفية على أنها التأسّي والاقتداء بالسلف الصالح في الاستمساك بالوحي الرباني وبالسنة النبوية الشريفة والاقتداء بالرسول  عليه الصلاة والسلام وبصحابته الكرام، فهذا يدعونا إلى التساؤل: ألا تؤمن كل المذاهب والفرق الإسلامية بهذه الثوابت ومع ذلك تبدِّع و تكفِّر السلفية كلاّ من الإباضية والشيعة والأشاعرة والمعتزلة والصوفية وغيرَهم كثيرين، ويجعلونهم من الفرق الهالكة، وهم فقط دون سواهم الفرقة الناجية التي تسير على المحجّة البيضاء؟ وفي هذا المقام لا يتردد الكاتب أسامة شحاته في مقال له بعنوانفي معنى السلفيةبالقول: “إن الذي نتبع ونقتدي به من السلف الصالح ليس نوعية حياتهم ولباسهم وطعامهم وركوبهم، كما يظن البعض، بل نحن نتبعهم في طريق فهم الوحي الإلهي المتمثل بالقرآن الكريم والسنة النبوية، لأن هذه هي أكبر ميزة للصحابة والتابعين، وهي تلقي الشرح المباشر للوحي/ الإسلام فكيف نقدّم فهم غيرهم عليهم؟إذن والحال هذه، ألا يريد منا الكاتب السلفي إلغاء عقولنا وتوقيف عجلة الاجتهاد وهو في نفس الوقت يقول بأن السلفيين لا يعادون منتجات الحضارة والمدنية السليمة والصحيحة، وبأن السلفية ليست قفزاً على الواقع وإلغاءً لمفهوم الزمان ومن أنه لا بد من فهم شمولي للسلفية حتى لا نصدر أحكاما سلبية ومغلوطة في شأنها

ولكن، ونحن نناقش هذه المقولات النظرية بكل موضوعية، هل يمكن أن نجد للسلفية يدا في بناء الحضارة الحديثة؟ وكيف لها ذلك وهي تلغي قيمة العقل والنقد من قاموسها ولا تعتبر الفارابي وابن رشد والفيلسوف الشيخ المفيد والجاحظ والمعري وأبا حيان التوحيدي إلى غاية الشيخ محمد عبده وطه حسين والعقاد والفيلسوف محمد أركونعلى أنهم جزء لا يتجزأ من أعلام أمتنا؟ هذا ما دفع بالكاتب سامح عسكر وبعدما  ذكر الأسباب التي دفعته إلى الانسلاخ عن السلفية والتي سنعود إليها لاحقا، إلى القول: “إن السلفية تضم بين خلاياها كافة أمراض المسلمين السلوكية والفكرية. وما لم يتخلص المسلمون من هذه الأمراض فإنهم باقون في تخلفهم ولا يمكن لهم صناعة المستقبل“..

 تتوفر في مكتباتنا العديد من الدراسات والمذكرات التي دوّن أصحابها الأسباب والدوافع التي جعلتهم ينتقلون من عقيدة إلى أخرى ومن مذهب إلى آخر. وآخرُ ما اطلعت عليه هو سلسلة المقالات التي كتبها سامح عسكر والتي جاءت بعنوانلماذا انسلخت عن الفكر السلفي؟ومن هذه الأسباب بلا شك ما ليس مجهولا لمن اطلع على مقالاتنا التي نشرت في الصحف عن السلفية، ولكن لا بأس من الاستماع والاستفادة من شخص كان داخل الدائرة السلفية ثم خرج منها مثل المفكر المرحوم عبد الله القصيمي،، الذي كتب لنا عن تجربتهم المرة والمحزنة مع السلفية التي كان من أعلامها ودعاتها العظام ثم كفر بها لما تقدّم به العمر الزمني والفكري. وإن كان لا يرقى إلى مستواه الشاب سامح عسكر وحسبه أنه يمثل الجيل الجديد الذي له تجربته الخاصة والمتميزة التي تفيدنا في كثير من ظاهرة الردّة على السلفية. فهو أولا يقول بأنه انسلخ عن السلفية لأنه وجد المنتسبين إليها يتعاملون مع النصوص كما يتعامل الإنسان مع الحجارة حينما يريد أن يشيّد أحد أملاكه، بمعنى احتكار النص، ومن أنهم يتعاملون مع النصوص وكأنها تركة ورثوها من الآباء والأجداد.. وما ذلك إلا لعدم اهتمامهم بالفلسفة وبالاختلاف في الرأي والمعتقد والتسامح مع الآخر. وهذا لونٌ من ألوان الغرور والإعجاب بالرأي الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا ما دفع بالفكر السلفي إلى التورط في الصراعات الطائفية لأنه يغلّب المصلحة الخاصة به على حساب المصلحة العامة للأمة.

إن الوهم الذي تعيشه السلفية هو اعتقادها الراسخ بأنها هي الفرقة الناجية، وبالتالي عليها واجب هداية الآخرين من إباضية وشيعة وأشعرية ومعتزلة وصوفية وعلمانية وغيرها، وبرغم أن بعض المراجع السلفية نفسها قد خصصت بحوثا فندت فيها صحة حديثالفرقة الناجية، إلا أن غالبية السلفية لا يزالون يستخدمون هذا الحديث للاستقواء على الآخرين، حتى يكونوا تبعاً لهم، ورؤيتهم لا تزال تنظر إلى واقعنا المعاصر بعيون السابقين. ومصدرهم في ذلك هو اعتمادهم الخاطئ على الحديث الشريفخير القرون قرني ثم الذين يلونهم…”.

 

ولا يتوقف جمودهم وتخلفهم الفكري هنا وفقط، وإنما يجعلون كل ما يخرج من أفواه مراجعهم وما يصدر من كتابات عنهم مسلما به وغير قابل للنقاش والنقد والمراجعة، وبذلك وقعوا فيما أنكروه على غيرهم في تقديس مراجعهم وشيوخهم. وهذا ما لا نجده في عالم العقلانيين، فهم لا يقدّسون إلا ما يستحق التقديس من دون البشر.

مقالات ذات صلة