-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دبلوماسية حقوق الإنسان.. رهانات وآفاق

بقلم: شويدر عبد الحليم
  • 722
  • 0
دبلوماسية حقوق الإنسان.. رهانات وآفاق

يحيي العالم في العاشر ديسمبر من كل سنة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أقرّته الأمم المتحدة بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة شعوب العالم، إذ يقدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعدا للجميع، بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية من أجل حياة خالية من العوز والخوف.

وبعد مرور أكثر من سبعين عاما، تحققت فعلا مجموعة مهمة من المكاسب للإنسانية، وأصبحت حقوق الإنسان بفضل الإعلان جزءًا لا يتجزَّأ من القانون الدولي والعلاقات الدولية، ولكن هذه التطورات لا يمكن أن تحجب عنا تحديات ورهانات عالم اليوم، الذي تتجلى فيه بوضوح عالمية حقوق الإنسان بأبعادها ومرجعياتها المختلفة، من خلال جعل هذه الحقوق في صدارة السياسة في العلاقات الدولية وأساس التعاون الدولي وصناعة القرارات الدولية، بل أضحت عاملا استراتيجيّا بجعلها محددا أساسيا للتعاون الدولي، إذ تعتمد الدبلوماسية العالمية بشكل متزايد على مبادئ احترام حقوق الإنسان في بناء العلاقات بين الدول، خاصة بالنسبة إلى الدول الغربية الكبرى التي تنصّب نفسها راعيةً لهذه الحقوق في العالم، من أجل تحقيق مصالحها، وللضغط على خصومها؛ فالملاحظ أن اعتماد معيار حقوق الإنسان في العلاقات الدولية قد تطوّر بشكل لافت مع نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، فقد لجأت بعض الدول إلى توظيف شعارات حقوق الإنسان للضغط على خصومها، وحاولت تجنيد المنظمات الدولية غير الحكومية من أجل ابتزاز العديد من الدول لدفعها إلى تقديم تنازلات تتعلق بسيادتها، وتوجهاتها السياسية، وخياراتها الاقتصادية الداخلية، وبمواقفها بشأن التحالفات الدولية.

ويمكننا أن نلاحظ في المرحلة الراهنة، أن دبلوماسية حقوق الإنسان قد أخذت أبعاداً استراتيجيّة في سياق منظومة العلاقات الدولية، وأضحت تمثل رهاناً كبيراً بالنسبة إلى الدول الكبرى، ليس لأن المجتمع الدولي أصبح فجأة، أكثر اقتناعاً بضرورة احترام حقوق الإنسان، ولكن لأن الشعارات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان تحوّلت بمرور الزمن وفي ظل تضاعف المآسي الإنسانية إلى حق يراد به باطل.

كما أن القسم الأكبر من المواجهة بين الدول الكبرى، يعتمد حالياً على استثمار ملف حقوق الإنسان، بل تسعى الكثير من القوى في السياق نفسه إلى توظيف دبلوماسية حقوق الإنسان من أجل الدفاع عن مصالحها، ولخلق توازنات جديدة على مستوى المشهد السياسي من خلال عناصر القوة في مجال الترويج لمبادئ حقوق الإنسان، ومن ثم اللجوء إلى الهيئات الدولية للضغط على الدول التي ترتكب مخالفات في مجال حقوق الإنسان، ومن مفارقات دبلوماسية حقوق الإنسان، أن الدول الهشة والضعيفة هي الأكثر عرضة للابتزاز في القضايا المتصلة بحقوق الإنسان، لذلك فقد كانت الدول الإفريقية أشد دول العالم خضوعاً للضغوط بشأن هذه الحقوق، إذ احتلت إفريقيا المرتبة الأولى في عدد الملفات القضائية التي تعاملت معها المحكمة الجنائية الدولية، في مرحلة بقيت فيها مسألة حقوق الإنسان في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة بعيدة عن الضغط السياسي الدولي.

ويمكن القول بالنسبة إلى هذه الدبلوماسية، إنها أضحت انتهازية، وأصبح المعيار المتعلق بحقوق الإنسان يتضاعف حضوره في الخطابات الرسمية للدول على نحو مضخَّم وغير مسبوق على مستوى المشهد الدولي؛ بتزامن مع زيادة الحروب والمآسي الإنسانية، وتعرّض قسمٌ كبير من البشر للجوع، والعطش، والمرض، والحرمان.

إن الاهتمام بحقوق الإنسان لا يعني دولا دون سواها ولا شعوبا دون غيرها وإنما هو شأنٌ إنساني يقوم على تكريس احترام القواسم المشتركة لكل البشر وفي طليعتها الحق في الكرامة والوجود والمساواة والأمن والرفاه، ومن هذا المنظور تتأكد طبيعة وفلسفة حقوق الإنسان التي يمكن المرافعة دوما عنها باعتبارها كل متكاملا لا يقبل التجزئة ولا الكيل بمكيالين ولا أن تستعمَل هذه الحقوق مطية للتدخل في شؤون الدول ومحاولة زعزعة استقرارها وأمنها.

كما أن السَّعي في تجسيد دور الدبلوماسية الحقوقية في تعزيز وتطوير حقوق الإنسان وإشاعة الأمن والاستقرار والتنمية والسلام الدولي، يقتضى أيضا الالتزام بروح نصّ المادة 55 من الميثاق التي تسعى “من أجل خلق ظروف الاستقرار والرفاهية الضرورية للعلاقات السلمية والودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب وتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان للجميع دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.“ وما تلتها من مواثيق دولية وإقليمية.

وعلى غرار بلدان العالم تحيي الجزائر هذه المناسبة وهى تخطو خطواتها نحو التجديد تماشيا مع مرجعتيها الحضارية الخاصة التي نمّت فيها قيما أخلاقية قائمة على العزة والكرامة واحترام الغير والتكافل والتسامح، فالحديث عن حقوق الإنسان في الفترة الراهنة هو حديثٌ عن ثمرة الإصلاحات الشاملة التي تعكس الإرادة السياسيّة للارتقاء أكثر بحقوق الإنسان في النظرة الجديدة التي لم تعُد ترتكز على تلك النظرة التقليدية المتمثلة في توفير قدر من الضمانات بصفة عامة، بل تعدّتها إلى العناية بحقوق أخرى ذات العلاقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطن بل حتى البيئية، وهو ما تجلى في الإصلاحات السياسية والمؤسسية البعيدة المدى التي باشرها رئيس الجمهورية في إطار التعديل الدستوري لسنة 2020 وذلك في إطار النهج الإصلاحي الشامل من أجل تكريس وتعزيز دولة الحق والقانون.

وفي نفس السياق، فإنَّ الجزائر التي صادقت وانضمَّت إلى جميع المواثيق والعهود الدولية والإقليمية ذات الصلة بحقوق الإنسان، قد أدرجت مضامين جميع هذه الصكوك الدولية ضمن أولويتها التشريعية، وأخذت بمساعي الأمم المتحدة في تكريس حقوق الإنسان على أرض الواقع من خلال الضمانات الدستورية والقانونية والآليات التي أقرَّها التعديل الدستوري لسنة 2020 الذي وسَّع بشكل لافت من الحقوق والحريات وخص لها مكانة متميزة بدعم دور القضاء كضامن لاحترامها وعدم المساس بها. وهو يعد شوطا يضاف إلى مختلف الأشواط التي قطعتها الجزائر في مجال ترقية حقوق الإنسان لاسيما المراجعة العميقة للمنظومة القانونية في مختلف المجالات.

الملاحظ أن اعتماد معيار حقوق الإنسان في العلاقات الدولية قد تطوّر بشكل لافت مع نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، فقد لجأت بعض الدول إلى توظيف شعارات حقوق الإنسان للضغط على خصومها، وحاولت تجنيد المنظمات الدولية غير الحكومية من أجل ابتزاز العديد من الدول لدفعها إلى تقديم تنازلات تتعلق بسيادتها، وتوجهاتها السياسية، وخياراتها الاقتصادية الداخلية، وبمواقفها بشأن التحالفات الدولية.

إن ما يتطلب اليوم وفى هذه المناسبة هو الاحتفال بالمكاسب التي حققتها الجزائر في العديد من الأصعدة، إذ تتجلَّى الانجازات المحققة في مختلف المجالات الرامية إلى توطيد سيادة القانون على غرار مجال القضاء من خلال مراجعة أساليب العمل لضمان تعزيز كفاءته ومواصلة مكافحة الفساد وإنشاء جميع الهيئات والسلطات الدستورية التي تم إنشاؤها أو إعادة تنظيم أنظمتها الأساسية على غرار المحكمة الدستورية وترسيخ مبادئها الدستورية، كما أن توطيد سيادة القانون مكرس أيضا في تحديث العدالة وتعزيز الحريات، وهذا لاسيما عن طريق إقامة عدالة مستقلة وفعالة وتحسين نوعية العدالة وكذلك تسهيل الوصول إلى العدالة. فضلا عن ترسيخ المشاركة الواعدة للمجتمع المدني مع دسْتَرة المرصد الوطني للمجتمع المدني والمجلس الأعلى للشباب والعمل على تجسيد حرية التجمُّع والصحافة، من خلال المنظومة القانونية المتعلقة بحرية الصحافة التي يجري العمل على تحيينها وإعادة تكييفها مع التطورات الحاصلة، إلى جانب الالتزام بضمان سلامة وأمن الأشخاص والممتلكات. كما تم توطيد أيضا سيادة القانون من خلال إنشاء إطار معياري يضمن الحوكمة الرشيدة والإدارة الفعالة والشفافة للمالية العامة وأخْلَقة الحياة العامَّة بهدف تعزيز الرقابة على السياسات العمومية وتقييم أداء مختلف القطاعات، مما يسمح بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ أن هذه الأهداف الـ17 تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعزيز حقوق الإنسان، الأمر الذي سيوفر بيئة مطمئنة حافظة لحقوق الإنسان. كما يمكن جعل هذه المناسبة فرصة للتذكير وتمكين الآخر بالأهداف المنشودة لرسم المعالم المستقبلية التي نسعى إلى تحقيقها في بناء الدولة العصرية الجديدة التي تعزز ثقة المواطن وتولد الشعور لديه بالأمان والطمأنينة، دون الغفلة عن النقائص التي يمكن تسليط الضوء عليها بهدف تحسينها بما يستجيب للطموحات والتطلعات.

إن مجابهة التحديات ومواكبة الرهانات التي تفرضها المرحلة الراهنة والتطوُّرات الحاصلة في هذا المجال، تقتضي أيضا تكاتف الجهود في مختلف المستويات في تفعيل دبلوماسية حقوق الإنسان (إعلاميا، برلمانيا، مؤسساتيا، ومجتمعيا) وتجسيد الدور المخول لهم في هذا المجال، بما يخدم ويصون سمعة وطننا، من خلال عملية ترويج هذه المكتسبات والانجازات واستذكار مواقف الشخصيات الوطنية المجيدة التي كان لها السبق في تطوير مفهوم حقوق الإنسان، وذلك في إطار رؤية وخطة وطنية تمكِّن جميع الفاعلين من الانخراط بفاعلية وإيجابية والمساهمة في المسيرة التنموية الشاملة تكريسا وتعزيزا لمكانة الجزائر وسمعتها وطنيا وإقليميا ودوليا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!