دخلت عالم السياسة بسبب “الفيس”
يواصل محمد عزيز درواز صانع أمجاد كرة اليد الجزائرية، في الجزء الثاني من حواره للشروق الرياضي كشف العديد الخبايا والأسرار التي عايشها، لاسيما تلك التي لها علاقة بتجربته السياسية سواء أثناء ترشحه للانتخابات التشريعية في مرتين بقبعتين مختلفتين ومساهمة “الفيس” المحل في ذلك، وكذا لدى ترؤسه المجلس الأعلى للشباب أو خلال فترة استوزراه على رأس قطاع الشباب والرياضة، وبعض المواقف التي حدثت له مع الرئيس اليامين زروال، فضلا عن كشفه الأسباب التي دفعته من الانسحاب من حزب “التجمع الوطني الديموقراطي” الذي كان أحد مؤسسيه.
*مع زروال كنت وزيرا بمعنى الكلمة وليس نصف وزير
خسارة للجزائر أنها فقدت المجلس الأعلى للشباب *
انسحب بصمت من “الأرندي” بسبب الظلم الذي أحسست به في 2002 *
كنت أصرف على المنتخب الوطني من جيبي الخاص *
تركت المنتخب عن قناعة وإرادة شخصية *
أعطيت عمري وشبابي للمنتخب..وضحيت بعائلتي من أجل كرة اليد *
كرة اليد وهبتني حب واحترام الناس.. والتقدير العالمي *
الشروق الرياضي: من المفارقات المبهمة أنك استقلت من المنتخب الوطني مباشرة بعد تحقيقك للقب الخامس في سنة 1989، فهل كانت استقالة ناتجة عن قناعة توصلت لها بضرورة الانسحاب أم أنها كانت نتيجة ضغوط مورست عليك ؟
بعد 10 سنوات قضيتها على رأس المنتخب الوطني كمدرب ومدير تقني في نفس الوقت، أردت ترك الفريق وهو متأهل لبطولة العالم لمدرب آخر حتى يعيش اللاعبون تجربة أخرى، وهي طريق رأيت من الضروري أن يسلكها أي رياضي أو نادي أو منتخب، فالتداول على المناصب سر النجاح.
الشروق الرياضي: لم تجبني على سؤالي بالتحديد، فهل كانت هناك أسباب أخرى جعلتك ترمي المنشفة؟
في الحقيقة، أنه بالإضافة إلى التعب الذي كنت أحس به جراء حملي للمسؤولية لعقد من الزمن كمتطوع قدّم كل خدماته مجانا حبا لخدمة البلاد ورفع الراية الوطنية في المحافل الدولية من خلال كرة اليد، حيث أنني كنت أصرف على المنتخب من جيبي الخاص، فقد عشت فترة صعبة جدا أثناء التحضير لبطولة أمم إفريقيا التي جرت بالجزائر شهر جويلية سنة 1989، وذلك بسبب رفض 60 بالمائة من لاعبي المنتخب المشاركة في تربص مغلق كان مقررا في شهر أفريل بيوغسلافيا، نتيجة تزامنه مع شهر رمضان المبارك. ولأن التربص كان مخصصا للتحضير البدني طلبت من اللاعبين ضرورة الإفطار في رمضان لكنهم رفضوا الفكرة من الأساس. ومع انسداد الوضع لجأت إلى رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يومها الشيخ العلامة حماني من أجل الاستفتاء في الأمر، فكانت فتوى الشيخ حماني بجواز الإفطار وعلل فتواه بكون أن حرب العصر الحالي هي الرياضة ومادام أن المنتخب الجزائري يمثل الأمة الإسلامية في البطولة الإفريقية للأمم فإنه يجب عليه أن يمتلك نفس السلاح الذي تملكه بقية المنتخبات وهو التحضير البدني الجيد، ولأن التربص مبرمج خارج البلاد، يكون بذلك كل الطاقم في حكم المسافر فيجوز له الإفطار وبعد رمضان يعوّض الأيام التي أفطر فيه. ورغم هذه الفتوى لم يقتنع الرافضون، فما كان لي إلا أن قبلت بمقترح البعض الذين أرادوا اللجوء إلى فقيه آخر يستفتونه في الأمر، فاتصلت باللاعب فتح الدين لشهب الذي يقطن بقسنطينة، وطلبت منه استفتاء أحد الفقهاء في الجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر بقسنطينة، فكانت فتوى هذا الفقيه الذي كان معاونا لرئيس الجامعة الشيخ محمد الغزالي مطابقة تماما لفتوى الشيخ حماني، لكن مع ذلك رفض اللاعبون مجددا الفتوى وتمسكوا بقرارهم بعدم المشاركة في تربص يوغسلافيا.
الشروق الرياضي: وماذا كان قرارك بعد أن تحداك أعمدة المنتخب ورفضوا إجراء التربص في رمضان ؟
مع هذه الوضعية التي وجدت نفسي أمامها، اضطررت إلى إقصاء جميع الرافضين واستبدلتهم بلاعبين شبان وشكلت منتخبا جديدا وذهبنا إلى يوغسلافيا، ثم لعبنا كأس أمم إفريقيا بالجزائر وأحرزنا اللقب بصعوبة، حيث فزنا على المنتخب المصري بفارق هدف واحد في النهائي، وكانت تلك آخر مواجهة لي مع المنتخب الوطني. كل الظروف التي حدثتك عنها جعلتني أقتنع أمه حان الأوان للانسحاب، لاسيما أنني لم أكن أريد البقاء وأنا في صدام مع بعض اللاعبين والذي كان بالضرورة سيعمل في غير صالح المنتخب ومستقبله.
الشروق الرياضي: ألم تغامر بإقصائك لـ 60 بالمائة من لاعبي المنتخب الأساسيين وذلك قبل 3 أشهر من موعد البطولة الإفريقية؟
لقد اتخذت قراري بعد تفكير وتحملت المسؤولية كاملة، رغم أنني كنت أدرك أنه ليس من السهل تكوين منتخب قوي في ظرف أشهر قليلة والتتويج باللقب، لاسيما وأن مستوى بعض المنتخبات كان في تطور سريع على غرار منتخبي مصر وتونس. كما أنني قررت إقصاء اللاعبين الشبان الذين رفضوا التنقل إلى يوغسلافيا. ولم يكن قرار إقصائي لهم بمثابة عقوبة وإنما حتى يكون لهم درس في حياتهم وعبرة لمن يعتبر، لأن علاقتي بهم كانت وطيدة بل كانوا مثل إخوتي الصغار أو الأصدقاء المقربين.
الشروق الرياضي: الآن وبعد 24 سنة من انسحابك من المنتخب الوطني، ألا تعتقد أنك تسرعت في قرارك ذاك وهل ندمت عليه؟
رغم أنني كنت مقتنعا بأنه من الناحية التقنية كان يجب أن أبقى وأواصل المشوار الذي بدأته مع المنتخب الوطني، لأنني أعتقد أنه كان من الممكن تغيير بعض الأمور وتحقيق نتائج أفضل، لاسيما على المستوى العالمي، لكن إلى الآن أنا مقتنع بقراري ذلك، بل ومرتاح جدا لأنه كان يجب أن أريح ضميري، فقد تركت المنتخب عن قناعة وإرادة شخصية دون تدخل أي كان. كما تركت بعدها في سنة 1993 مولودية الجزائر. وعندما أنظر إلى الوراء أجد أنني أعطيت كل شيء للمنتخب وكرة اليد الجزائرية، فقد أعطيت عمري وشبابي وحياتي كلها ولم تبق لي حياة فردية، كما أنني ضحيت بكل شيئ من أجل كرة اليد الجزائرية حتى بعائلتي.
الشروق الرياضي: قلت أنك أعطيت كل شيئ لكرة اليد والمنتخب، فما الذي استفدته أنت منهما ؟
المقابل الذي تحصلت عليه هو حب الجزائريين واحترامهم لي، فهو بمثابة الأوكسجين الذي أتنفسه، فهذا الاحترام الكبير من الشعب لا يمكن لأي كان أن ينزعه مني. كما أني حظيت باحترام وتقدير عالمي واعتراف بما قدمته لكرة اليد العالمية، فقد كرمني الاتحاد الدولي لكرة اليد في سنة 1989 بوسام استحقاق.
الشروق الرياضي: اللافت في مسيرتك أنه بعد عامين من انسحابك من تدريب المنتخب الوطني في 1989 التحقت بالسياسة من خلال ترشيح نفسك في الانتخابات البرلمانية لسنة 1991 في إحدى دوائر العاصمة عن حزب جبهة القوى الاشتراكية، فكيف كان هذا العبور بين قطاعين لا تربطهما صلات كثيرة ؟
لم أخطط يوما لاقتحام الحياة السياسية، فمنذ طفولتي لم أهتم بالسياسة، لأن كل همي كان هو رياضة كرة اليد، فحتى أني ضحيت بدراستي من أجلها مثلما ذكرت لك من قبل، لكن بعدما أحسست أن البلاد في خطر، عقب ما وقع من تصرفات من قبل حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحلة الذي فاز في الانتخابات البلدية لسنة 1990 بطريقة ديموقراطية، لم أتردد في الترشح عندما اتصل بي بعض مسؤولي “الافافاس” لأنني كنت متيقنا من الفوز بمقعد في البرلمان وعدم ترك الساحة يعبث بها الحزب المحل. وهنا يجب التأكيد انه لم يسبق لي أن كنت مناضلا سياسيا في أي حزب سياسي ولا حتى “الافافاس”.
الشروق الرياضي: كانت لك تجربة ثانية مع الحياة السياسية بعد توقيف المسار الانتخابي وعدم تمكنك من دخول البرلمان، حيث تم تعيينك رئيسا للمجلس الأعلى للشباب في سنة 1995، وذلك مباشرة بعد انتهاء عقدك مع المنتخب السعودي الذي دربته بين سنتي 93 و 1995، فكيف حدث هذا ؟
الفضل في تواجدي على رأس المجلس الأعلى للشباب يعود للمرحوم محمد الصالح منتوري، الذي اتصل بي وأعلمني باقتراح اسمي لقيادة هذا المجلس وطلب رأيي في الأمر. فرحبت بالفكرة وقبلت تولي المسؤولية في تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها البلاد. ولأن المجلس الأعلى للشباب كان مؤسسة استشارية توصل صوت الشباب إلى رئيس الجمهورية، عملنا على تقديم عديد المقترحات في تقاريرنا السنوية التي كانت ترفع إلى الرئيس اليامين زروال، وأذكر منها أن مقترح تقليص مدة الخدمة الوطنية إلى سنة ونصف كان من مقترحاتنا التي رفعناها إلى الرئيس زروال. وما يمكن أن أقوله اليوم حول هذه المؤسسة بأنه، خسارة للجزائر أنها فقدتها، كونها كانت مؤسسة استشارية هامة جدا للشباب يعبّر من خلالها عن انشغالاته وتقديم مقترحات مباشرة إلى رئاسة الجمهورية.
الشروق الرياضي: في سنة 1997 تركت رئاسة المجلس الأعلى للشباب بعد تعيينك وزيرا للشباب والرياضة في حكومة أحمد أويحي، فهل لك أن تكشف لنا كيف تمت هذه الترقية ؟
مع مجيئ الانتخابات والتشريعية لسنة 1997 ترشحت في قائمة التجمع الوطني الديموقراطي بالعاصمة وفزت بمقعد في البرلمان، ولأنه كان هو الحزب الذي فاز بالأغلبية في المجلس الشعبي الوطني وكنت أحد مؤسسيه، عيّن السيد أحمد أويحي لرئاسة الحكومة باعتباره كان هو رئيس الحزب، فاختارني لتولي حقيبة الشباب والرياضة، وذلك طبعا بعد موافقة الرئيس اليامين زروال.
الشروق الرياضي:على ذكر الرئيس الأسبق اليامين زروال، ما الذي يمكن أن تتذكره من مواقف الرجل تجاه الرياضة ؟
الرئيس اليامين زروال كان يهتم كثيرا بالرياضة، ويعطي الوزير كل الصلاحيات ويقول له أنت مسؤول عن قطاعك 100 بالمائة، كما أنه كان يوفر للوزراء كل الحرية في أداء مهامهم دون قيود. وأذكر أنه في إحدى المرات أمسك بيدي وسألني عن أحوال قطاع الرياضة بعد أن فتحت بعض الورشات الكبرى للإصلاح والتي عرفت بعض المعارضة من قبل المنتفعين على حساب الرياضة الجزائرية، وقال لي بالحرف الواحد، “أكمل عملك وما تسمع حتى لواحد، فحتى لو حدث أن كلمتك أنا وطلبت منك شيئا، فقل لي أن التعليمات التي أعطيت لي بان لا أسمع إلى أي أحد”. ومن المهم أن أقول شيئا مهما جدا عن فترة تواجدي على رأس وزارة الشباب والرياضة، وهو أنني كنت وزيرا بمعنى الكلمة وليس نصف وزير، فقد كنت أطبق برنامج الحكومة بخصوص قطاعي بحذافيره وأتخذ القرارات الملائمة بكل حرية.
الشروق الرياضي: ما موقعك في حزب التجمع الوطني الديموقراطي، ما دمت كنت أحد مؤسسيه ؟
للأسف اضطررت إلى الانسحاب بصمت من التجمع الوطني الديموقراطي قبل مؤتمر الحزب في سنة 2002، لأنتي أحسست بالظلم، وذلك بعد إقصائي من قائمة المكتب التنفيذي للعاصمة وبالتالي فقدت منصبي في المجلس الوطني للحزب. وهنا يجب الإشارة إلى أن كل المكاتب الولائية للحزب تم فيها انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي باستثناء مكتب العاصمة الذي كانت قائمة المكتب معينة من فوق وطلبوا المناضلين بتزكيتها، ومن ثم تم إسقاط اسمي من القائمة، علما وأني كنت الوزير السابق الوحيد الذي لم يتمكن من دخول المجلس الوطني بسبب قضية التعيين التي حدثت في مكتب العاصمة.
تطالعون في الجزء الثالث من الحوار

* تمزيق ماجر لعقده على الهواء كان مسرحية مقصودة شارك فيها دون أن يدري
* أنا من قرر تطبيق الاحتراف في الجزائر..والدولة مسؤولة بالدرجة الأولى عن فشله
* سيسجن جميع رؤساء النوادي منذ سنة 1990 لو يطبق القانون
* بلاتير وصل لرئاسة الفيفا بفضل الجزائر
* أنا من عيّن سنجاق مدربا للخضر..وسياسة روراوة أثبتت نجاعتها
* المصري مصطفى فهمي أراد محو اسمي من خارطة كرة اليد


