-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دردشة حول « ثورة الملك والشعب »…

دردشة حول « ثورة الملك والشعب »…

يستخدم عادة مصطلح الثورة في سياقات ومعان عديدة، إذ يكون إشارة إلى تغيرات جدرية وأساسية في حقل من حقول المعرفة، كالثورة الرزاعية، الصناعية، الثقافية، أو الثورة الرقمية… أو تكون إشارة إلى تحولات رئيسية في البنى الإجتماعية والسياسية.

وغالباً ما يشير مفهوم الثورة الى تغيرات تحدث عن طريق العنف والإنقلاب في شكل حكومة بلد ما، محاربة مستعمر ورميه خارج البلاد مثلما وقع للثورة التحرير الجزائرية.
كما أن كلمة “ثورة” أصلاً هي مصطلح حداثي يساري. أما في الفكر السياسي التقليدي، لم يكن هناك شيء اسمه ثورة، بل كان هناك “الفتنة”، “الخروج على الإمام”، أو “هبة لنصرة السلطان”.
فإقحام كلمة “ثورة” في الحالة المغربية « ثورة الملك والشعب » هو محاولة “لعصرنة” الحدث وإعطائه صبغة تقدمية تتماشى مع أدبيات التحرر الوطني العالمية في الخمسينيات (مثل الثورة البلشفية أو الثورة الناصرية، أو الثورة الفيتنامية أو الثورة الجزائرية)، بينما الواقع في المغرب، كان دفاع السلطان عن “السلطة”. كما أن العبارة « ثورة الملك والشعب »، هي عبارة غير صحيحة، لأنه قبل استقلال المغرب لم يكن هناك ملك، بل كان هناك سلطان، ولم يكن هناك شعب بل هناك رعايا، ولهذا من الأصلح أن نقول « ثورة السلطان والرعية »، ثم هذه الثورة ضد من؟ إذا كانت ضد فرنسا، فالسلطان منذ الحماية 1912 هو مع فرنسا، فكيف يصبح بين عشية وضحاها مع الرعية؟ هذا من حيث الشكل.
فإذا أردنا التجرد من الأدلجة، يمكننا القول أنها كانت : « انفجاراً للرعية ضد الانقلاب الاستعماري، حيث أن فرنسا قامت بـتنحية السلطان محمد الخامس في 20 أوت 1953 الذي يبدوا أنه لا يريد تطبيق سياستها، ونفيه خارج المغرب، وتم تعويضه بابن عمه بن عرفة، وأن الرعايا المغاربة قاموا بـ “رد فعل” عنيف لأستعادة سيدهم.
فالنتيجة المنطقية أن عبارة “ثورة الملك والشعب” هي عبارة “توليفة هجينة” تحاول الجمع بين المتناقضات (الحاكم والمحكوم) في خندق واحد لتحرير نظام الحكم ما بعد الاستقلال، وإضفاء طابع “شعبي” على السلطة السلطانية. بهذا المعنى، يمكننا القول إن “ثورة الملك والشعب”، كانت في الحقيقة “هدنة مؤقتة” بين القصر والحركة الوطنية لإنهاء الاحتلال، سرعان ما انتهت بصدام بينهما فور الحصول على الاستقلال (احداث 1958-1959 وصراع المهدي بن بركة مع القصر).
فمثلما وقع في العديد من المماليك في العالم، واحسن مثال الثورة الفرنسية.. حيت أنها هي المقاربة الأدق لبيان التناقض الذي تحاول السردية الرسمية المغربية التغطية عليه. ففي الثورة الفرنسية (1789)، كان الصدام صريحاً ومنطقياً، فالرعايا (الطبقة الثالثة) ثاروا ضد الملك لويس السادس عشر، والمؤسسة الملكية، كانت الجهات واضحة، فالرعايا تسعى لإنتزاع السيادة حتى يصبحوا شعباً، والملك يدافع عن الحق الإلهي في الحكم. أما في حالة المغرب، فقد تم ابتكار صيغة “ثورة الملك والشعب” لتعطيل هذا الصدام المنطقي الذي حدث في أوروبا وقتها.
كما أن النخبة في الحركة الوطنية المغربية مثل حركة المهدي بن بركة، الذين كانوا يريدون ملكية يسود فيها الملك ولا يحكم، وتتحول فيها الرعايا إلى شعب له سيادة كاملة على غرار الانظمة الملكية الاوروبية، فبدلا من يصبح السلطان في المغرب بعد الاستقلال يسود ولا يحكم، تحول مباشرة بعد الاستقلال وخاصة في عام 1957 موازات مع الثورة التي قادها الوزير الأول التونسي الحبيب بورقينة، ضد نظام الباي، وانشاء الجمهورية التونسية.
فبدلا من أن يكون السلطان هو العدو الذي تنتزع منه الحقوق كما في فرنسا بالامس وتونس وقتها أي سنة 1957، صورت السردية المغربية السلطان حينها كرفيق كفاح. هذا الالتفاف أدى إلى نتائج عكسية تماماً لما انتجته الثورة الفرنسية والثورة البورقيبة في تونس.
فثورة الملك والشعب، أجهضت التحول الديمقراطي في المغرب، لأنها كانت أداة أيديولوجية استُخدمت لإجهاض أي حراك شعبي حقيقي قد يطالب بالديمقراطية لاحقاً. فإذا كان الملك ثائراً مع الرعية، فمن غير المنطقي أن تثور الرعية ضد زميلا لها في الثورة. فعبارة “ثورة الملك مع الشعب” هي ليست مجرد خطأ لغوي وسياسي وتاريخي، بل هي عملية تدجين سياسي كبير، غيرت بوصلة الثورة من السعي تحو الحرية والمواطنة، إلى السعي نحو الولاء وتثبيت الحكم الفردي تحت غطاء وطني. والحيقية تقال بأن المغرب مازال يعيش تبعات هذا “الخلط المصطلحي” حتى اليوم في علاقة السلطة بالمجتمع.
فكلمة “شعب” في الحقيقة يولد من انتزاع الحقوق من السلطان أو الملك، مثلما وقع في كل الثورات تقريبا عبر العالم. لكنها في الحالة المغربية مازالت كلمة “شعب” تُستخدم في الخطابات الرسمية كمرادف لـ “الرعية المطاعة”, لقد تم تبني المصطلح الحديث “الشعب” مع الاحتفاظ بالبنية التقليدية “الرعية”، وهو ما يفسر التناقض المنطقي عبارة “ثورة الملك والشعب”.
فلكي تكون هناك ثورة شعب، يجب أن يكون هناك وعي بالانفصال عن سلطة السلطان أو الملك، وبما أن المغاربة خرجوا وقتها في مظاهرات للمطالبة بعودة السلطان، فإنهم كانوا يتصرفون كرعايا أوفياء وليس كشعب ثائر ينشد تغيير الحكم. فعبارة “ثورة الملك والشعب”، هي محاولة لإضفاء صفة “الحداثة السياسية” على فعل هو في جوهره “وفاء تقليدي”. فعبارة “ثورة الملك والشعب”، تبين أن المصطلحات استُخدمت بشكل مقلوب، فبدل أن تكون الثورة وسيلة لتحرر الإنسان وتحوله من “رعية” إلى “شعب”، استُخدمت في المغرب لتكريس وضعية “الرعية” بمصطلحات حديثة توحي بالديمقراطية والشعبية. وبناءً على هذا التحليل في هذه المقالة أعتقد، بل وأجزم بأن “الوعي الشعبي” بمعنى السيادة والمواطنة، لايزال مشروعاً مؤجلاً في المغرب بسبب هذه السردية التاريخية التي دمجت الحاكم والمحكوم في كتلة واحدة. الشيء الذي يدفعنا اليوم مع ظهور جيل زاد « genz212 » للقول بأن « الشعب المغربي » ككيان سياسي مستقل ذو سيادة لم يتشكل بعد في الواقع، ولكن هو في طريقه للقيام بثورة تكسر السردية القديمة « ثورة الملك والشعب » ثورة تقضي على تقبيل اليد والركوع أمام الملك، لأن المواطنة الحقيقية تقوم على المساواة الجوهرية. لأن المواطن لا ينحني لمواطن آخر مهما علت رتبته، لأن السيادة مشتركة بين الجميع. فحين ينحني مثلا عسكري مغربي برتبة جنرال لتقبيل يد طفل أو طفلة من العائلة المالكة، فإنه يعلن رمزياً أن “الوطن” بكافة مؤسساته إن كانت هذه المؤسسات موجودة حقاً هي “ملكاً خاصاً” لهذه العائلة. وهذا السلوك يحول الدولة من مؤسسة عامة إلى إقطاعية عائلية.
ففي مملكة 14 قرن يقع تناقض صارخ، من جهة هناك دستور يتحدث عن حقوق الإنسان والمواطنة والمؤسسات، ومن جهة أخرى، هناك بروتوكول مخزني يعود لقرون غابرة، يفرض تقبيل اليد والإنحاء، واستعمال عبارات تكفيرية مثل « صاحب الجلالة »، وعبارة لا يقبلها العقل مثل « ثورة الملك والشعب ».
فإذا كان تقبيل اليد هي حركة عفوية تعبر عن الاحترام (كما يُقّبل المرء يد أبوه أو امه)، فعندما يجبر القادة العسكريون والسياسيون على هذا الفعل، فهذا معناه أنه يدجنهم نفسيا وإظهار أنهم « عبيد مأمورون ». إن ما تسمى « ثورة الملك والشعب »، لم تكن إلا عملية تحديث للقشرة مع الحفاظ على لب السلطة، والتي ترى في المغاربة رعايا تابعين وليس مواطنين أحراراً.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!