-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دروس غزوة تبوك

سلطان بركاني
  • 1606
  • 1
دروس غزوة تبوك

غزوة تبوك، لعلّها أكثر غزوة اهتمّت بها آيات القرآن، لأنّ وقائعها كانت حدا فاصل بين المؤمنين والمنافقين؛ ظهر فيها معدن الصّحابة الأصيل، في مقابل معدن المنافقين الخادع؛ أنفق الصّحابة ونفروا للجهاد في سبيل الله، وبخل المنافقون وقعدوا عن نصرة رسول الله، وشغلتهم أموالهم وأولادهم والتمسوا الأعذار وأرجفوا بين المؤمنين واستهزأوا بالفقراء والمنفقين، وسعت القلّة التي خرجت منهم بين المؤمنين تخذيلا وخبالا، وعصت الله ورسوله، وحاولت قتل نبيّ الله الخاتم!
توالت أحداث غزوة تبوك بين شهري رجب ورمضان من السنة التاسعة للهجرة، شهري أكتوبر ونوفمبر من السنة 630 م، في أيام حرّ من فصل الخريف، طابت فيها الثمار، والناس منشغلون بثمارهم، وكانت الوجهة إلى حدود الدّولة البيزنطية لمسافة لا تقلّ عن 530 كم، للقاء الروم وحلفائهم الذين بدؤوا يتجهّزون لغزو المسلمين، لذلك سمي الجيش الذي جُهّز بجيش العسرة، وسميت الغزوة غزوة العسرة.. حثّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- المسلمين على الإنفاق لتجهيز الجيش وعلى النّفير للجهاد في سبيل الله، فتوالى الصّحابة يقدّم كلّ منهم ما يستطيع؛ وكانت المنافسة المشهورة بين أبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب؛ حيث عزم عمر على أن يجعلها فرصته ليسبق أبا بكر، فذهب وأتى بشطر ماله، فوجد أنّ أبا بكر قد سبقه وأنفق ماله كلّه، أبو بكر الصدّيق الذي سأله النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: ماذا تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله.. وكان عثمان بن عفان أكثر من أنفق في ذلك اليوم، حيث بذل نفقةً عظيمةً لم ينفق مثلها أحد، بلغت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعُدَّتها، وألف دينار ذهبا، نثَرها في حِجرِ النبيّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فجعل النبيّ يُقلِّبُها في حِجرِه ويقولُ: “ما ضَرَّ عثمانُ ما عمل بعدَ اليومِ” مرتينِ.. وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية من الفضة، وجاء العباس بمال كثير. ولم يتخلّف عن الإنفاق أحد من الصّحابة، حتى فقراؤهم، كان الواحد منهم يأتي بالمد والمدين من التمر.
وجاء صحابةٌ لم يجدوا نفقة ولا مركبا يجاهدون به، يطلبون من النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ما يركبون عليه ليجاهدوا معه، فقال عليه الصّلاة والسّلام: “لا أجد ما أحملكم عليه”، فتولّوا وهم يبكون أسفا على حرمانهم من الخروج مع رسول الله، وفيهم أنزل الله قوله تعالى: ((وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون)) (التوبة: 92).. وكان بينهم الصّحابي عُلْبة بن زيد رضي الله عنه، الذي قام فصلى من الليل وبكى وقال: “اللهمّ إنك قد أمرت بالجهاد ورغَّبتَ فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدَّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مالٍ أو جسد أو عرض”، ثم أَصبحَ مع الناس، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: “أين المتصدق هذه الليلة؟” فلم يقم أحد، ثم قال: “أين المتصدق فليقم”، فقام إليه علبة فأخبره، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبتْ في الزكاة المتقبلة”.

لم يتخلّف من الصّحابة إلا ثلاثة، هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع. سمّوا بالثلاثة الذين خلّفوا؛ تخلّفوا من دون عذر، لكنّهم تابوا بعد ذلك وصدقوا الله ورسوله، فتاب الله عليهم وأنزل فيهم قوله: ((وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) (التّوبة: 118).

أمّا المنافقون فإنّهم بخلوا بأموالهم رغم الغنى الذي كان عليه أكثرهم، فأنزل الله فيهم قوله: ((إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُون)) (التوبة: 93)، ولم يكتفوا بالبخل، حتّى جعلوا يسخرون من الفقراء الذين أنفقوا القليل، فأنزل الله في فضح حال هؤلاء المنافقين قوله: ((الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين)) (التّوبة: 79- 80).

لم يتوقّف الأمر بالمنافقين عند هذا الحدّ، حتّى جعلوا يخذّلون عن رسول الله وعن الجهاد في سبيل الله، وأخذوا يتعلّلون ويعتذرون، حتّى اجتمع عدد كبير منهم مع عبد الله بن أبيّ بن سلول رفضوا الخروج للجهاد، وقال بعضُهم لبعضٍ: “لا تنفروا في الحرِّ”، فأنزل الله في حقّهم قوله سبحانه: ((فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُون)).

لم يكتف المنافقون بذلك، حتّى سعوا في الفتنة بين المسلمين، ومن حبائلهم في ذلك أنّهم قالوا في حقّ أسد الإسلام عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- إنّ النبيّ ما خلّفه في المدينة إلا استثقالًا وتخفُّفًا منه! فأخذ عليٌّ سلاحَه وخرج حتى أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بالجُرْف، فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون أنك إنما خلَّفتني لأنك استثقلتني وتخففت مني، فقال: “كذبوا، ولكنني خلفتك لِما تركتُ ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي”، فرجع علي إلى المدينة فرحا بكلام رسول الله.
تخلّف أكثر المنافقين في المدينة، وسار عدد قليل منهم مع المسلمين، بلغوا بضعة عشر رجلا، بين ثلاثين ألفا من الصّحابة الأخيار المجاهدين في سبيل الله.. وسار رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بجيش المسلمين، حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فقال زيد بن اللُّصَيت وكان أحد المنافقين: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن رجلًا يقول كذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني اللهُ عليها وهي في الوادي في شعب كذا وكذا قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلِقوا حتى تأتوني بها”، فذهبوا فجاؤوه بها.
ثم مضى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حتّى وصل جيش المسلمين تبوك وتجهزوا للقاء العدو، وخطب فيهم النبيّ يقوي عزائمهم ويشحذ هممهم، وعقد الألوية وتأهّب لدحر الرّوم الذين ما أن سمعوا بمقدم المسلمين واستعدادهم حتّى تملكهم الرعب، فعادوا أدراجهم إلى أرض الشّام، فكان نصرا مؤزرا من دون قتال.
كانت غزوة حافلة بالدّروس، لخّصت معالم قضية الصّراع بين الحقّ والباطل، بين الإيمان والنّفاق، وكشفت حقيقة المنافقين وأخلاقهم الراسخة التي لا تتبدّل بتبدّل الأزمان.. ربّما تختلف العبارات، لكنّ المضمون واحد منذ زمن النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- إلى أيامنا هذه، إلى أن تقوم السّاعة، وما على المؤمنين الصّادقين إلا أن يتدبّروا سورة التوبة، ليعرفوا حقيقة وأدوات المعركة التي يخوضونها ضدّ النّفاق والمنافقين الذين تتغيّر أسماؤهم ولا تتغيّر طبائعهم وأخلاقهم ومكائدهم!
أهمّ درس يستشفّ من هذه الغزوة، أنّ سطوة الدّنيا على القلوب، قد لا تقف بأصحابها عند حدّ إيثار الدّنيا على الآخرة، بل قد تصل بهم إلى بغض الحقّ ومعاداته ما دام يخالف أهواء النّفوس ويفوّت عليها بعض الحظوظ العاجلة.. والمسافة بين الإيمان والنّفاق قد تنحصر وتضمحلّ حينما يغفل العبد عن مجاهدة نفسه في المواطن التي تستدعي مواقف حاسمة.. كلّ الذين انحازوا إلى صفّ النّفاق في أيّ مرحلة من المراحل التي مرّت بها الأمّة المسلمة، بداياتهم أهواءُ تتّبع ونفوس مخلدة إلى الأرض تُطاع.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • خالد بن الوليد

    الجيوش العربية بقيادة العربي البطل ولي العهد محمد بن سلمان ال سعود خادم الحرمين بدات تتحرك منذ شهر وتستعد لدخول فلسطين محررة لها من الاحتلال الصهيوني . الجيوش العربية انطلقت من ارض الحجاز ونجد والشام ومصر العربية ام الدنيا والعراق وسوريا متجهة صوب ارض الاسراء والمعراج فلسطين ثالث الحرمين واولي القبلتين لتحريرها اخيرا . المواجهة ستكون عنيفة جدا بين الصهاينة وامريكا وفرنسا وبريطانيا والجيوش العربية الكبري .