دروس من تونس ومصر
لا يكفي التغيير السياسي في أي بلد من البلدان إذا لم يواكَب بسياسات اجتماعية واقتصادية قادرة على إعادة التوازن للمجتمعات من خلال شعور الناس بأن العدل أصبح حقيقة قائمة وليس مجرد شعار يُرفع لتبرير تغييرات تَحدُث في البلاد. ولو كان ذلك على أعلى هرم في السلطة.التجربتان التونسية والمصرية أكدتا اليوم هذه الحقيقة.
في تونس رغم حدوث الانتقال السياسي بأقل الأضرار، مازالت الاحتجاجات الاجتماعية تَحدُث دوريا وآخرها ما وقع في الأيام الأخيرة بالقصرين وثلاث بلدات أخرى… وفي مصر يتزايد الخوف لدى السلطات من اندلاع احتجاجات اجتماعية في أي وقت فتلجأ باستمرار إلى كافة الأساليب لمنع حدوث ذلك، مما يعني أن التغيير السياسي سواء أكان بالطرق الناعمة نسبيا كما حدث في تونس، أم بالطرق العنيفة كما حدث في مصر، لن يستجيب لتطلعات المواطنين إذا لم يكن متزامنا مع سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة تُعيد التوازن للمجتمع بعد عقود من الظلم والتهميش وخيبات الأمل المتكررة.
وإذا أضفنا إلى هذا، ما بات لازمة في البلدان العربية من تنامٍ لظاهرة الإرهاب مع الظلم الاجتماعي، فإننا نُدرك حَجم التحدي الذي ينتظر كل بلد من بلداننا.
ولعلنا اليوم في مرحلةٍ تحتاج مِنَّا إلى أكثر من جهد وعلى أكثر من صعيد إذا أردنا تفادي الوقوع في أي من السيناريوهات الحالية، إن كانت على الطريقة التونسية أو المصرية.
بلادُنا مازالت وإلى حدّ اليوم قادرة على اختيار أفضل البدائل الممكنة إذا أرادت.
لقد خُضنا تجربة مريرة في تسعينيات القرن الماضي مكَّنَتنا من أفضل لقاح ضد عودة العنف والإرهاب، واليوم نحن قاب قوسين أو أدنى من خوض تجربة انتقال سياسي باتت تلوح في الأفق وعلينا الاستفادة من كافة الدروس المحيطة بنا.
إننا لا يمكن أن نحقق أي انتقال سياسي حقيقي دون الاتفاق على نوعية السياسات الاقتصادية والاجتماعية القادمة: كيف نُقيم العدل بين شرائح المجتمع؟ كيف نُعيد توزيع الثروة؟ ما الذي سنُقدّمه إلى الشباب البطّالين؟ ما هي الأهداف التي ينبغي تحقيقُها لإنعاش الاقتصاد الوطني؟ كيف نُطوّر التعليم ونُعيد بناء الشخصية الوطنية ونُصحّح الخلل في منظومتنا القيمية؟
يبدو أن هذه الأسئلة هي التي عجز ما عُرف بالربيع العربي عن الإجابة عنها سواء على الطريقة التونسية أم على الطريقة المصرية. وعلينا أن نجيب عنها بكل وضوح إذا أردنا بحق أن نَستبق تطوّر الأحداث، ونَمنع ذلك السيناريو التشاؤمي الذي تبشر به بعض الأطراف، ونستعيد الأمل في تغيير حقيقي يكون بحق في مستوى نضج التجربة الجزائرية.