الرأي

دعاةٌ‮ ‬حوّلونا إلى أضحوكة

حسين لقرع
  • 4344
  • 38

في‮ ‬ظرفٍ‮ ‬قصير،‮ ‬اكتسب الشيخ بندر الخيبري‮ ‬شهرة كبيرة،‮ ‬وتناولته مختلف المواقع ووسائل الإعلام العالمية،‮ ‬ليس لأنه قدّم فكرةً‮ ‬إبداعية جديدة تُخرج المسلمين من تخلفهم ومصائبهم،‮ ‬أو اجتهاداً‮ ‬لم‮ ‬يأتِ‮ ‬به الأوّلون،‮ ‬بل لأنه قال إن‮ “‬الأرض‮ ‬ثابتة لا تدور‮” ‬ليضرب بذلك كل النظريات والحقائق العلمية الدامغة عرض الحائط‮.‬

كنا نعتقد أن هذه المسألة قد حُسمت بشكل نهائي‮ ‬وقاطع منذ أمدٍ‮ ‬بعيد،‮ ‬وأصبحت بديهية لا تحتمل أي‮ ‬جدل في‮ ‬ظل الأدلة العلمية الدامغة المقدّمة من علماء الفضاء،‮ ‬لكننا نكتشف الآن أن هناك دعاةً‮ ‬لا‮ ‬يزالون‮ ‬يعتقدون أن الأرض ثابتة،‮ ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬أننا قد عدنا مجدداً‮ ‬إلى عصر ما قبل النهضة؛ حيث كان الشيوخ والدعاة لا‮ ‬يترددون في‮ ‬تكفير كل من‮ ‬يقول بكُروية الأرض ودورانها‮.‬

هذه‮ “‬الفتوى‮” ‬من الشيخ الخيبري‮ ‬تؤكد إلى أي‮ ‬مدى‮ ‬يقصّر بعض الدعاة بحقّ‮ ‬أنفسهم ودينهم حينما‮ ‬يكتفون بالتوغل في‮ ‬دراسة مختلف التخصصات الشرعية وترك العلوم العصرية الدقيقة‮. ‬صحيحٌ‮ ‬أن من أراد اللهُ‮ ‬به خيراً‮ ‬فقّهه في‮ ‬الدين،‮ ‬ولكن المطلوب في‮ ‬هذا العصر أن لا‮ ‬يكتفي‮ ‬الفقهاءُ‮ ‬والدعاة بذلك وأن‮ ‬يحاولوا الإطّلاع قدر المستطاع على مختلف العلوم الحديثة أيضاً‮ ‬خدمةً‮ ‬للدعوة،‮ ‬ولو فعل الخيبري‮ ‬ذلك لاتضح له أن الأرض تدور وأن الشمس تجري‮ ‬لمستقرّ‮ ‬لها،‮ ‬ولمَا حدث له أيّ‮ ‬تشويش ذهني‮ ‬أو تراءى له أي‮ ‬تعارض بين الحقائق العلمية والآيات القرآنية‮.‬

قبل سنوات،‮ ‬بدأ الانحطاطُ‮ ‬بفتاوى‮ “‬جواز إرضاع الكبير‮” ‬و”جواز شرب بول النبي‮” ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وتواصل الانحدار بفتاوى‮ “‬جواز أكل لحوم الجن‮” ‬وصولاً‮ ‬إلى فتوى تبيح لزعيم الانقلابيين في‮ ‬مصر‮ ‬‭”‬فقأ أعين المصريين‮” ‬والزعم بأن ذلك‮ ‬‭”‬موافق للشرع؟‮” ‬وأخرى تحرّم شعار‮ ‬‭”‬يسقط حكمُ‮ ‬العسكر‮” ‬وتدّعي‮ ‬أنه‮ ‬يخالف الحديث عن‮ “‬خير أجناد الأرض‮” ‬وكأنه‮ ‬ينطبق على قتلة آلاف الأبرياء في‮ ‬‭”‬رابعة‮” ‬و”النهضة‮”‬،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلى من‮ ‬يردِّد الآن أن‮ “‬الأرض ثابتة‮”.. ‬وغيرها من الفتاوى التي‮ ‬جعلتنا أضحوكة أمام الصهاينة والغرب‮. ‬

مصيبتُنا لا تكمن فقط في‮ ‬كثرة فقهاء البلاط،‮ ‬ولكن أيضاً‮ ‬في‮ ‬الفقهاء الذين لا‮ ‬يفقهون شيئاً‮ ‬في‮ ‬علوم العصر،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن أتباعٍ‮ ‬لهم‮ ‬يصدّقون كل ما‮ ‬يقولونه ولو كان مخالفاً‮ ‬للمنطق والعلم؛ فقد دافع عددٌ‮ ‬من المعلقين في‮ ‬مختلف مواقع التواصل الاجتماعي‮ ‬عن الخيبري‮ ‬بشراسة وهاجموا منتقديه ووصفوهم بأبشع النعوت،‮ ‬وكأن الشيخ معصومٌ‮ ‬عن الخطأ،‮ ‬أو‮ ‬يردّد قرآناً‮ ‬منزّلاً،‮ ‬مع أن ما قاله خاطئ ولا تقبله الحقائق العلمية‮.‬

ويُذكّرنا هذا بما حدث في‮ ‬بداية التسعينات،‮ ‬حين كانت الشعوب العربية تتمسّك بأيّ‮ ‬وهم‮ ‬يجعلها تصدّق أن صدام حسين سينتصر على أمريكا بعد‮ ‬غزوه الكويت،‮ ‬مع أنه لم‮ ‬يعدّ‮ ‬لها ما استطاع من قوة،‮ ‬وكانت تردّد أن صداماً‮ ‬سيدحر الأمريكان ويدخل الكعبة على حصان أبيض والدليل وجود شعرة وسط سورة البقرة في‮ ‬المصحف الشريف،‮ ‬في‮ ‬حين كانت الولايات المتحدة تواصل تحضير آخر ابتكاراتها العسكرية وهي‮ ‬طائرات‮ ‬‭”‬الشبح‮” ‬التي‮ ‬دمّرت بها فيما بعد الجيشَ‮ ‬العراقي‮ ‬في‮ ‬الصحراء في‮ ‬يومٍ‮ ‬أو بعض‮ ‬يوم‮.    ‬

مقالات ذات صلة