دلالات عودة الفلسطينيين إلى غزة: معنى الوجود يتحدى الصعوبات!
تؤكد كل التقارير الإعلامية أن غزة مازالت محاصرة من طرف قوات الاحتلال الصهيوني من كل جانب، سكانها مُهدَّدون في أية لحظة بالقتل رغم وقف إطلاق النار، بناياتها باتت ركاما لا يمكن الاقتراب من بقاياها خوفا من الانهيار، بلا مستشفيات ولا مدارس ولا بنية تحتية للمياه والكهرباء والاتصالات والنقل، ناهيك عن وجود معامل تشتغل أو ورشات تستقبل عمالا… الحياة في حدها الأدنى، بمعايير اليوم تم التخطيط لغزة لتكون مكانا طاردا للسكان لا تستقطب إليها أحدا ولا يطمح للبقاء فيها أحد! أو هكذا أرادها الاحتلال أن تكون، أن يهجرها سكانها طوعا بعد أن رفضوا التهجير منها كُرها تحت النار.. هل أفلح في ذلك؟ هل فعلا غزة باتت طاردة لسكانها أم أن لشعبها رأيا آخر؟
عندما تتابع مشاهد العودة على المباشر عبر معبر رفح، رغم أنه نادرا ما يُفتَح لعدد قليل من الفلسطينيين، تعرف أن كل مخططات العدو الصهيوني باءت بالفشل. رغم كل معاناة القطاع، يعود إليه أبناؤه، بل ويَسعدون أنهم تمكنوا من العودة! غالبيتهم الساحقة دُمّرت مساكنهم، مع ذلك عائدون.. جميعهم غادروا وطنهم جرحى أو مرضى أو لأي سبب آخر قبل الطوفان، خلاله أو بعده، وكان بإمكانهم البقاء في محيط أكثر أمنا من غزة، حيث كانوا، النجاة بأنفسهم والتطلع إلى العيش في المهجر كما يفعل الكثيرون ممن أوطانهم أهدأ وأكثر رخاء وأمنا، إلا أنهم أبوا أن يكون خيارهم غير خيار العودة، في كل الحالات غزة بالنسبة لهم ليست مكانا به بيوتهم ومزارعهم وأهلهم فحسب، بل هي الوجود ذاته والكرامة ذاتها، بل وروح الحياة ذاتها، فكيف يتم التخلي عنها؟
لذلك لم يفهم العدو المعادلة، ولم يفهم كيف يُفكِّر هذا الشعب المرتبط بأرضه المدافع عن شرفه وكرامته، ولم يستوعب كيف لم تُغره مشاريع “الريفيرا” أو وعود الإقامات الدائمة في دول شتى يتم الاتفاق معها لاستقباله، أي لم يتمكن من فك شفرة الوطنية عنده رغم كافة المحاولات.
وهكذا يُقدِّم الفلسطيني لكافة شعوب العالم مثالا حيًّا عن الارتباط بالوطن والتضحية من أجله والتشبع بالوطنية والموت دونها، في عصر بات الكثير يتباهى بموت مثل هذه القيم، رابطين كل الوجود بالعوامل المادية ذات الصلة بظروف ومتطلبات العيش فقط، ناكرين كل ما هو خارج هذا الإطار!
ولعل في هذا تذكير لنا جميعا بأن زمن التضحية من أجل الأوطان والموت دونها، والإصرار للعيش فيها بما فيها وما عليها، مازال قائما، ذلك أن الذين يتطلعون للعودة إلى غزة عبر المعابر بالآلاف هم من جميع الأعمار يجمعهم أمر واحد أن فلسطين هي تعبير عن الوجود أكثر منها مكان للعيش والحياة.
ولعلها الرسالة الأقوى لكافة شعوب العالم، أن فلسطين منتصرة ذات يوم وعائدة لأبنائها ذات يوم وهم قادرون على إعادة بنائها أفضل مما كانت! بل إن عبقرية الشعب الفلسطيني بدت واضحة في أحلك أيام العدوان الصهيوني، وهي تتجلى اليوم في أكثر من صورة وأكثر من مكان: في مستشفى يعالج بأدنى الإمكانات وفي مدرسة تعود من غير مقرات، وفي إنتاج غذائي من غير أدوات، وفي استمرار على مقاومة العدو رغم الحصار والاعتداءات، والأهم من ذلك كله في الإصرار على تأكيد إرادة الوجود رغم كل المثبِّطات…
تكفي متابعة تلك الوجوه المبتهِجة بالعودة رغم كافة مشقات العبور، تلك الأحضان التي تضم بعضها البعض بعد طول فراق، ذلك الدخول إلى غزة وإن كان نحو خيمة أو جزء من بناية هدمتها صواريخ الاحتلال، وذلك اللقاء البهيج بين أفراد العائلة الواحدة… لكي نُدرِك أن مصير الاحتلال ذات يوم الهزيمة مهما طال الزمن، ومصير فلسطين العودة لأبنائها مهما كانت التضحيات…