-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دلالة مباركة الآباء هجرة الأبناء

دلالة مباركة الآباء هجرة الأبناء

أن يُفكّر الشباب في هجرة الوطن بحثا عن فرص حياة جديدة أو تَطُلعًا نحو حياة أفضل، فذاك ما قد نجد له مبررات وأسبابا نسعى لقبولها وإن عارضناها ضمنيا، أما أن يُصبح عدد كبير من الأولياء يُشجِّعون أبناءهم على الهجرة، بل يخططون معهم لذلك، فتلك ظاهرة غريبة لم نألفها في مجتمعنا الذي مازال في حدود كبيرة يحرص على تماسك الأسرة وبقاء الأبناء إلى جانب الأمَّهات والآباء، ومازال لا يتوقف عن ذكر مآسي الابتعاد عن الوطن والغربة.

وما يجعل هذه الظاهرة غريبة في حدود كبيرة أنها لم تعُد تقتصر على العائلات الفقيرة التي يضطرها شظف العيش وصعوبات الحياة والعجز أمام مساعدة أبنائهم على السماح لهم بالهجرة، إنما أصبحت تتعدى إلى الأسر الميسورة وإلى النخبة المؤهَّلة تأهيلا علميا عاليا والتي رفضت خلال الثمانينيات وحتى التسعينيات أثناء العشرية السوداء مغادرة الوطن، دون أن نتحدث عن الأثرياء الجدد الذين أصبح الخارج “موضة” بالنسبة  إليهم ولأبنائهم ومجالا مفضلا لإخفاء الثروة هناك أو القيام بالإنفاق دون حسيب ولا رقيب.

لا أريد أن أقف عند الفئة الأولى، باعتبار أن أبناءها يفتقدون كل شيء من السكن إلى العمل إلى وسائل العيش، كما لا أريد أن أقف عند أبناء الفئة الثانية باعتبار طبيعة الشباب هو باستمرار التطلع نحو الأفضل والأكثر جاذبية وتمكينا من التطوير، كما لا أريد الإشارة إلى الفئة الثالثة باعتبارها طفيلية ولا أحد يستغرب منها هذا السلوك، إنما أريد أن أقف عند التبدل الكبير الذي حصل في الفئة المتعلمة تعليما عاليا وخاصة نخبة هذه الفئة التي صَمدَت طوال العقود الماضية رغم ما عرفت من صعوبات وصلت إلى حد التهديد بالقتل.

ما الذي أصبح اليوم يدفع بهؤلاء إلى تشجيع أبنائهم على الهجرة؟ هل يئسوا من أي إصلاح قادم بحكم إدراكهم لحقيقية ما يجري داخل البلاد، أو قربهم من مصدر صناعة القرار؟ أم أنهم ندموا اليوم على أنهم لم يهاجروا في الفترة التي كان بإمكانهم ذلك ولا يريدون أن تتكرر التجربة مع أبنائهم؟

في كلا الحالتين سواء أنهم ندموا أم لم يهاجروا، أو أنهم فقدوا الأمل في عودة الإصلاح العميق لبلدهم، فإن الأمر ينبغي أن يستوقفنا ملِيًّا.. عندما تتفق فئات اجتماعية يبدو أن بعضها ميسورٌ اليوم، مع الفئات الفقيرة والأكثر فقرا التي لم تعُد تمتلك ما تُقدّمه لأبنائها من وعود، أو وسائل دعم لخوض غمار الحياة، فإننا نُصبح أمام ضرورة مُلِحَّة لإعادة النظر في كثير من خياراتنا، لا أقول الخيارات القطاعية أو المحدودة، إنما أقول في خياراتنا الاستراتيجية. وليس عيبا أو ضعفا أن تُعيد دولة معينة النظر في خياراتها الاستراتيجية بعد أن أصبحت تلاحظ أنها لم تعد تفيد أحدا ولم يعد مقتنعا بها أحد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • استعبد الاسياد

    الجكومة الجزائرية وفرت لهم كل شيئ لكن اغلبهم لا يصلح و هم انانيين
    الجزائريين اليوم يهربون من انفسهم لانهم فقدوا الثقة في بعضهم
    تطور التخلف و اصبح يهدد كل انسان في كل شيئ يفعله عبر الايام
    انجاب معاقين و انجاب اصحاء سيتم اعاقتهم ذهنيا و نفسيا و جسديا
    انها فوضة التخلف فتحت بها كل الثغرات و اصبح كل شيئ مباح
    و هذا مشكل عالمي ايضا لكن الدول المتطورة اقل فوضة
    اما عن حكام اليوم و كل هذا النظام المفروض على البشرية
    انها الردائة و العبودية الفوضوية و انقلاب و انعكاس كل شيئ
    فالذين هم اليوم يحكمون عبيد

  • عبد الرحمن

    لك كل الشكر والتقدير أيها الكاتب.فعلا وضعت الأصبع على ظاهرة خطيرة وعجيبة،تحار فيها العقول والألباب.أبعدما حررنا هذا الوطن بالنفس والنفيس من الاستدمار الفرنسي،ولاقينا في ذلك كل الأهوال الجهنمية للاستدمار،يريد البعض منا نسيان ذلك كله،ويرفض أن يتحمل بعض المعاناة في سبيل الوطن،وينسى قوافل الشهداء الذين رفضوا كل إغراءات المستدمر وفضلوا الاستشهاد على الاستعباد.أما في أيامنا هذه العجيبة والغريبة،صارت بعض الأسر الجزائرية تقيم الأفراح والأعراس إذا تحصل أحد أفرادها على وثائق الإقامة عند المستدمر .وشكرا.

  • جزائري

    وأنا أقرأ مقالك أستاذنا، قفز إلى ذهني ما نُقش في ذاكرتي من طرف الوالدين ومن علمنا عن معاناتهم خلال الليل الاستعماري من إذلال واحتقار وإفقار. كل ذلك لم ينل من نفسية الفرد والمجتمع والدليل أنه فكَّ القيد وخرج من النفق بفضل زاده الروحي والمعنوي. السياسات المنتهجة بعد 62 أغفلت هذا البعد الأساسي في البنية النفسية للفرد والمجتمع. عدم ترجمة قيم العدل والمساواة إلى واقع ملموس و إستئثار فئة بخيرات البلد حشر الشباب في زاوية اليأس وفقدان الأمل.

    خرج الآباء من نفق ودخل الأبناء بنفوس "مُهشَّمة" في نفق آخر !

  • عبدلقادر

    .لمايعرف السبب يبطل العجب وانت وجدت السبب الذي هوانهم يئسوا من أي إصلاح قادم بحكم إدراكهم لحقيقية مايجري داخل البلادلتعفن عقليةوفسادمن بيدهم صناعةالقرار.وكثيرمن المخلصين والنزهاءوالملتزمين من الاطارات.من بعض المناطق خاصة.فالطاقات التي همشت وضاعت حقوقهالعدم ولائهم للاشخاص وكان ولائهم للوطن والشعب واحترام القانون ندموااليوم على أنهم لم يهاجروافي السابق لماعانوه من ظلم وعنصريةوجهويةوتفضيل الرداءات والشياتين.فانامن الذين يشجعواالهجرةجتى ان كانت سرية لمن يستطيع فرض نفسه هنك لا الحرقة على قوارب الموت.

  • بدون اسم

    لغة الخشب وجده الحطب احتلت كل المساحة التي كتبت عليها(مقالك هذا)............لم يبق لك الا استشعار مقولات الزمن البائد زمن الثورات الثلاث..والتسيير الاشتراكي...وختامها من اجل حياة بائسة عفوا أفضل.....فهل لو هؤلاء المهجرون ولا اقول المهاجرون وجدوا مايجده مواطني اليهود والمسيحية في دولهم ومن حكامهم.هل كانوا سيهربون بهذا الشكل الخطير والمرعب..وهل تقدر على أذاء وسعير النار والجمرة يا سليم..هؤلاءالهاربين يطلبون الحياة هروبا من الموت البطيئ ومن الجحيم الذي حول حياتهم الى نارجهنم لاتقابلهاالا نار الآخرة