الرأي

دلالة مباركة الآباء هجرة الأبناء

محمد سليم قلالة
  • 3080
  • 5

أن يُفكّر الشباب في هجرة الوطن بحثا عن فرص حياة جديدة أو تَطُلعًا نحو حياة أفضل، فذاك ما قد نجد له مبررات وأسبابا نسعى لقبولها وإن عارضناها ضمنيا، أما أن يُصبح عدد كبير من الأولياء يُشجِّعون أبناءهم على الهجرة، بل يخططون معهم لذلك، فتلك ظاهرة غريبة لم نألفها في مجتمعنا الذي مازال في حدود كبيرة يحرص على تماسك الأسرة وبقاء الأبناء إلى جانب الأمَّهات والآباء، ومازال لا يتوقف عن ذكر مآسي الابتعاد عن الوطن والغربة.

وما يجعل هذه الظاهرة غريبة في حدود كبيرة أنها لم تعُد تقتصر على العائلات الفقيرة التي يضطرها شظف العيش وصعوبات الحياة والعجز أمام مساعدة أبنائهم على السماح لهم بالهجرة، إنما أصبحت تتعدى إلى الأسر الميسورة وإلى النخبة المؤهَّلة تأهيلا علميا عاليا والتي رفضت خلال الثمانينيات وحتى التسعينيات أثناء العشرية السوداء مغادرة الوطن، دون أن نتحدث عن الأثرياء الجدد الذين أصبح الخارج “موضة” بالنسبة  إليهم ولأبنائهم ومجالا مفضلا لإخفاء الثروة هناك أو القيام بالإنفاق دون حسيب ولا رقيب.

لا أريد أن أقف عند الفئة الأولى، باعتبار أن أبناءها يفتقدون كل شيء من السكن إلى العمل إلى وسائل العيش، كما لا أريد أن أقف عند أبناء الفئة الثانية باعتبار طبيعة الشباب هو باستمرار التطلع نحو الأفضل والأكثر جاذبية وتمكينا من التطوير، كما لا أريد الإشارة إلى الفئة الثالثة باعتبارها طفيلية ولا أحد يستغرب منها هذا السلوك، إنما أريد أن أقف عند التبدل الكبير الذي حصل في الفئة المتعلمة تعليما عاليا وخاصة نخبة هذه الفئة التي صَمدَت طوال العقود الماضية رغم ما عرفت من صعوبات وصلت إلى حد التهديد بالقتل.

ما الذي أصبح اليوم يدفع بهؤلاء إلى تشجيع أبنائهم على الهجرة؟ هل يئسوا من أي إصلاح قادم بحكم إدراكهم لحقيقية ما يجري داخل البلاد، أو قربهم من مصدر صناعة القرار؟ أم أنهم ندموا اليوم على أنهم لم يهاجروا في الفترة التي كان بإمكانهم ذلك ولا يريدون أن تتكرر التجربة مع أبنائهم؟

في كلا الحالتين سواء أنهم ندموا أم لم يهاجروا، أو أنهم فقدوا الأمل في عودة الإصلاح العميق لبلدهم، فإن الأمر ينبغي أن يستوقفنا ملِيًّا.. عندما تتفق فئات اجتماعية يبدو أن بعضها ميسورٌ اليوم، مع الفئات الفقيرة والأكثر فقرا التي لم تعُد تمتلك ما تُقدّمه لأبنائها من وعود، أو وسائل دعم لخوض غمار الحياة، فإننا نُصبح أمام ضرورة مُلِحَّة لإعادة النظر في كثير من خياراتنا، لا أقول الخيارات القطاعية أو المحدودة، إنما أقول في خياراتنا الاستراتيجية. وليس عيبا أو ضعفا أن تُعيد دولة معينة النظر في خياراتها الاستراتيجية بعد أن أصبحت تلاحظ أنها لم تعد تفيد أحدا ولم يعد مقتنعا بها أحد.

مقالات ذات صلة