دماء الربيع!
لا يختلف اثنان، مثلما لن تتناطح عنزتان، بأن الوضع داخل حوض ما يُعرف ببلدان “الربيع العربي” ينزلق وينحرف من السيء نحو الأسوأ، ولم تعد سوى لغة الرصاص والاختطاف والدم، السائدة والمسيطرة على ألسنة وأيدي وتفكير أفراد وجماعات، زجوا ببلدانهم في أتون حروب لا تشرّف لا العرب ولا المسلمين، سواء كانوا في السلطة أو المعارضة!
منذ البداية، أي قبل قرابة الثلاث سنوات (17 ديسمبر 2010 بتونس)، ثم بعدها بليبيا فمصر واليمن والآن سوريا، كان واضحا أن “الثورة” التي يُعرف تاريخ تفجيرها أو اندلاعها هي ثورة مشكوك في أمرها، وأن الثورة التي تنفجر بين الأشقاء الفرقاء، هي ليست ثورة، وإنما فتنة نائمة لعن الله من أيقظها!
إن ما حدث ويحدث بتونس وليبيا ومصر وسوريا، لا يخدم بأيّ شكل من الأشكال هذه الدول الشقيقة، وحتى إن خدمت الأحداث فئة أو مليشيا أو جماعة أو عصبة أو حاشية، فإن شعوب هذه البلدان “المستهدفة” تبقى بعيدا عن أيّة استفادة أو ريع قد يتم تقسيمه بين موقدي النيران ومشعلي الفتن والحروب المؤقتة والأبدية!
نعم، تلك البلدان العربية، مستهدفة في استقرارها وأمنها وسيادتها ووحدة شعبها، ولذلك تنزلق التطورات نحو المستنقع وتتنامى المأساة ويتزايد عدد القتلى والضحايا والأرامل والثكالى واليتامى، ومعهم يتكاثر المتفرّجون على “ملحمة” يُستباح فيها الدم العربي الواحد!
قرابة الثلاث سنوات عن هروب زين العابدين بن علي من تونس، وتصفية معمر القذافي في ليبيا تحت رعاية الناتو، وتنحية حسني مبارك ومحاكمته، لم تستأنف هذه الدول مسارها ويومياتها الطبيعية، وها هي سوريا تواصل دفن أبنائها، بعد أكثر من سنتين من القتل والقتل المضاد!
..هذا ليس دفاعا بأيّ حال من الأحوال، عن هؤلاء الذين ثار ضدهم مواطنو أو معارضو بلدانهم، لكن السؤال الواجب طرحه: ألم يكن ظاهريا المراد هو إسقاط أولئك الرؤساء الديكتاتوريين بقفازات “الربيع العربي”، وها هم يسقطون، فلماذا تستمرّ إذن “الثورة” وتشتعل “ثورة مضادة”، وتستمر معهما الفوضى والاقتتال والعنف واللاّأمن وضرب البنية التحتية للدول!
ليس خافيا أن “المخابر” المستترة و”الأيادي الأجنبية” و”اللفيف” المبني للمجهول، انسحبت فجأة من واجهة الخراب العربي، وتركت الفرقاء الأشقاء يتقاتلون وينتقمون ويصفون حساباتهم مع بعضهم البعض، وحتى إن تواصلت مؤامراتهم ودسائسهم لتكسير الشعوب وتحطيم الدول وفق منظور عالمي جديد، البقاء فيه للأقوى وليس للأصلح، فإن تسارع الأحداث يؤكد أن المخطط بعيد المدى ولم يصل فيما يبدو إلى نتائجه بعد!
المصيبة، هو تهلهل الطرف العربي، وتململ آليات التدخل العربية والإسلامية، سواء تعلق الأمر بالجانب العسكري أو الدبلوماسي أو الاقتصادي، فاكتفاء “الجامعة العربية” على سبيل المثال لا الحصر، ببيانات الشجب والاستنكار، دليل آخر على هوان أمة أصبحت تابعة وليست بمتبوعة، فسهل إهانتها واستهدافها وضرب استقرارها وكبريائها!
إن “الربيع” الذي لا ينتهي ويصبح بالدماء بدل الورود، ويستحوذ على مساحة الفصول الأخرى، يدفع إلى الشكّ والريبة، فهل يصمد هكذا الربيع أمام سيروكو الصيف وبعده تقلبات الخريف، ثم عواصف الشتاء..؟ شعبويا عندما تختلط الفصول يُقال: إنه قروب الساعة!