دواعش “العلمانوية” الغربية
بعد أكثر من سنة أطلق فيها العنان لحملة هستيرية على الإسلام وعلى الجالية المسلمة في فرنسا، عاد الرئيس الفرنسي ليبتكر عجلة “الجمهورية العلمانية التي تستوعب الإسلام” وتكتفي بمعاداة “الإسلاموية” والتطرُّف، غير أن تغيير البندقية من كتف “الحرب على الإسلام” بجَمَلها وما حمل، إلى كتف التصدي لـ”الإسلاموية”، لا يعني أن رأس الدولة الفرنسية قد صرفت النظر عن الإسلام، حيث لا أحد وثّق اختراق الجالية المسلمة للمشهد السياسي الفرنسي بحزب إسلاموي، أو أنها طالبت بتشريع يميِّز المواطن الفرنسي المسلم عن البقية.
ما هو موثَّق أن الجمهورية الفرنسية، الرافعة كذبا لشعار العلمانية، لم تتوقف عن التدخُّل السافر في الحياة الشخصية لمواطنيها المسلمين دون سواهم، فحاربت اللباس الإسلامي فيما لم تقترب من لباس اليهود والمسيحيين والسيخ، ولا حتى من أزياء المثليين ومشتقاتهم، واعتدت على المبدأ العلماني الركن حين اختارت صناعة “إسلام فرنسي” على المقاس، تديره مؤسساتٌ تابعة لوزارة الداخلية، وقد تحوّلت إلى ما يشبه وزارة للأوقاف ودارا للإفتاء فيما لم تقترب من إدارة الكنائس المسيحية، ولا من الكنيس اليهودي، ومعابد السيخ والبوذيين.
حتى حكومة فيشي المتهمة لاحقاً بـ”معاداة السامية” لم تقترب من المؤسسة الدينية اليهودية، ولا حرَّمت على اليهود طقوس السبت وأطعمة “الكاشير”.. لكن الحكومات الفرنسية المتعاقبة ظلَّت حبيسة الموقف الاستعماري التقليدي من الإسلام، بمحاولة اختراقه من داخل منظومة الأحوال الشخصية، وقد انتقلت من الفضاء العمومي إلى الفضاء الخاص الذي هو ساحة محرّمة على التشريع العلماني، بل إن العلمانية تعريفا هي التزام مؤسَّسات الجمهورية بالوقوف على حيادٍ تام تجاه الرأي والمعتقد والسلوك الفردي داخل الفضاء الخاص.
هذا على الأقل ما فهمه مبكرا قادة الحركة الوطنية الجزائرية حين رفعوا عريضة تطالب سلطة الاحتلال الفرنسي بواجب “الفصل بين الدين والدولة” حتى لا يتعدى المشرِّع على منظومة الأحوال الشخصية المنظِّمة للفضاء الشخصي، وربما وجب اليوم على المسلمين في الغرب أن يتبنُّوا مسارا مماثلا يحمي هذا الفضاء الشخصي للمسلم، ويقيموا الحجة على أرباب هذه العلمانية الزائفة.
المسلم في الغرب قد لا يعنيه ما تصدره الحكومات من تشريعات تبيح الربا وتعاطي المحرّمات، ما لم تُلزم المسلم بالدخول في معصية مع الخالق، وقد جاء الإسلام في صيغة “تكليف فردي” وليس له مشكلة مع العلمانية بتعريفها الأصلي، بل إن الحكومات الغربية هي التي اختارت ضرب المبدأ بمحاولة التعدي على الفضاء الشخصي، وأولى بالرئيس الفرنسي أن يرفع راية الحرب على دواعش “العلمانوية” التي هي أخطر على الجمهورية من “إسلاموية” افتراضية، وأن تطرف سلفية “الفصل بين الخالق وعباده” هو أولى بالمحاربة من التطرّف الديني.
وما لم تكن الحرب على الإسلام هي الهدف، فإنه بوسع الرئيس الفرنسي وباقي الحكومات الغربية أن يؤسسوا لسلم دائم مع مواطنيهم المسلمين بتبني علمانية صرفة، تمنح المتديّنين نفس الحقوق التي منحتها في الفضاء الخاص للملاحدة ولأمة المثليين والصفوة من الشواذ التي أمسكت اليوم بناصية الحكم في القرن الذي قال عنه مالرو، أو نُسب إليه أنه “إما أن يكون روحانيا أو لا يكون”.