دولة الرئيس؟
منذ 1999م لغاية اليوم والجزائر في حالة “ترقب وانتظار” فالدولة اختصرت في الرئيس فهو الذي يعين الوزير الأول ووزرائه وأعضاء الهيئات التنفيذية والقضائية والتشريعية وحتى مراسلي وكالات الأنباء الجزائرية، والكل يتذكر القرار الذي اتخذه وهو إلغاء منصب “وسيط الجمهورية” وتعويضه برسائل القراء في جريدتي الشعب والمجاهد بحيث صار الرئيس هو الحل والعقد وهو القادر على حل مشاكل جميع المواطنين؟.
هل الجزائر في حاجة إلى حكومة؟
لم يعد الوالي أو الوزير أو الوزير الأول يعني شيئا للمواطن الجزائر، فهم مجرد رواتب تصرف من خزينة الدولة، ولهذا لا معنى لحكومة جديدة ولا معنى لتعويض الوزراء الذين ترشحوا للبرلمان طمعا في العودة إلى الحكومة من بابها الكبير، لكن الرئيس أقالهم من نافذتها الصغيرة، ولا يستطيع في الجزائر حاليا أن يحل مشكلة مواطن واحد إذا لم يتدخل الرئيس؟ ومع ذلك نقرأ في الصحافة الجزائرية والدولية أن هناك صراعا بين “المرادية” و”تاقارا” حول الوزير الأول وأعضاء الحكومة، ومحاولة التسويق لأسماء معينة يعتقدون أنها مقربة من الطرفين.
والحقيقة الأولى التي لا تقال هي أن هناك وزيرا واحدا ممن ترشحوا للبرلمان وافق الطرفان عليه ومطلوب منه إنشاء حزب جديد للدخول به إلى الحكومة القادمة، والحقيقة الثانية أن هناك سلطة واحدة في الجزائر وهي التي ترعى جميع النشاطات بدءا بنشاط المجتمع المدني مرورا بأنشطة البلديات والولايات والوزارات وانتهاء بنشاط الوزير الأول والمنتديات والملتقيات الدولية التي تقام في الجزائر، فالكل يعمل “تحت الرعاية السامية للرئيس” وأي نشاط لا يحمل هذه الصفة لا يتم تمويله أو تغطيته إعلاميا، وتخيلوا معي أن الجزائر وما أدراك من الجزائر تختصر في شخص واحد فكيف سيكون مستقبلها.
ويقول طويل اللسان بأن الرئيس أراد أن يتبنى عدم ثقة المواطن في السلطة فاختصرها في شخصه فأصبح الدولة نفسها التي يريد الشعب الحفاظ عليها بالتمسك به، واتهام الآخرين بأنهم سبب المشاكل التي يعانيها.
في عهد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي تلقت “هذه الدولة” هدية تاريخية وهي الختم الذي وقع به الداي حسين في 5 جويلية 1830م وثيقة استسلام الجزائر لفرنسا، وفي عهد الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند تجري اتصالات بين الطرفين لاستلام هدية ثانية ممثلة في “مدفع أسطوري” قيل إنه حمى الجزائر من جميع الغزاة باستثناء الغزو الفرنسي للجزائر؟.
مجاهدون وحرس وفضائيات
من الطبيعي أن يشترط الحرس البلدي تدخل الرئيس لوقف زحفهم على العاصمة، لكن الرئيس لا يتدخل لأنهم إرث من سبقوه، وهم محسوبون على جنرالات تقاعدوا كانوا يدعون بأنهم يعينون الرؤساء واليوم يتحدثون في فضائيات القطاع الخاص عن ماضيهم المشرف في الجيش الفرنسي قبل تسللهم إلى الثورة الجزائرية ضمن مشروع الجنرال ديغول الذي أعده لما بعد استرجاع السيادة الجزائرية.
عندما تم توقيف المسار الانتخابي وبدأ العنف يتصاعد في الجزائر لجأ هؤلاء الجنرالات الى المجاهدين لمحاربته حتى يشوهوا ماضيهم الثوري وروجوا إشاعات تفيد أنهم يتلقون رواتب باهظة لقاء ما يقومون به إلى جانب رواتبهم كمجاهدين لكنهم سرعان ما اكتشفوا الحقيقة فتخلوا عن مشروع هؤلاء الجنرالات مما جعلهم يستنجدون بالمتضررين من المأساة الوطنية لتشكيل مليشيات تحت عناوين مختلفة مثل:”الدفاع الذاتي” و”الحرس البلدي”، بالرغم من أن أصوانا من السياسيين أمثال المرحوم عبد الحميد مهري ارتفعت ضد “عسكرة المدنيين” والنتيجة هي تجنيد 94 ألف مواطن -من بينهم 700 شخص يحملون شهادة جامعية- ضد ما يسمى بالإرهاب ليدفع أصحابه 4600 ضحية، ثم يجدون أنفسهم بعد أكثر من 16 سنة خدمة مجرد مستخدمين مؤقتين برواتب زهيدة، وها هي وزارة الداخلية تخاطبهم عبر صفحة إعلانية في الجرائد الوطنية نشرت يوم الاثنين الماضي بأنها قامت بتلبية مطالبهم، ومن المفترض أن يتم ذلك بصدور مرسوم وزاري ينشر في الجريدة الرسمية، والفضل في اتخاذ مثل هذه الإجراءات يعود إلى الفضائيات الخاصة التي مكنتهم من توصيل مطالبهم إلى الرئيس، لكن هذه الفضائيات التي انحازت الى الرئيس ضد الحكومة وجدت نفسها محاصرة وممنوعة من الحصول على نصيبها من الإعلانات الحكومية وغير الحكومية بحيث ألزمت الحكومة مؤسسات الهاتف النقال بعدم تقديم إعلاناتها لغير القناة الرسمية، وحتى ما يبث في الرسمية من إعلاناتها لا يسمح بالعادة بثه في القنوات الخاصة، بمعنى آخر أن السلطة تريد الهيمنة على القنوات الخاصة مثل ما هيمنت على الصحافة، فهل المطلوب من الموظفين في هذه القنوات الخاصة القيام بمسيرات للاعتراف بهم والحصول على الدعم المادي لهم؟.