الرأي

دولة تبحث عن رئيس؟

عندما تبنى الزعيم الليبي الراحل “مشروع قيام دولة الطوارق” في الساحل الإفريقي لم يعترض أحد عليه من شيوخ القبائل أو زعماء دول الجوار، والسبب هو انه كان يمول الجميع ويجند ابناءهم في كتائبه، وبعد قيام الثورة انقطع التمويل وعاد الأبناء المجندون إلى ديارهم مع ما في حوزتهم من مال وسلاح، فبدأت بوادر ازمة مالية وأمنية خاصة في الممرات التجارية لهذه الدول، فهل يحقق المسلحون ما عجز عنه معمر القذافي؟.

أفغنة دول الساحل

ما يحدث الآن على حدود دول الساحل في شمال مالي يشبه ما حدث في الجزائر عام 1992 – 1999م بعد توقيف المسار الانتخابي واختيار الحل الأمني لمعاقبة من كانوا يؤمنون بـما يسمى “الدولة الإسلامية”، ووضعهم في المعتقلات مما ادى الى ظهور جماعات مسلحة تدعمت بعودة (المجاهدين الأفغان) وهم الحزائريون الذين كانوا في محاربة النظام الشيوعي الأفغاني وقدرتهم حكومة رضا مالك يومئذ بـ 12 ألف مقاتل.

والاختلاف بين الانقلاب على الشرعية في الجزائر والانقلاب على الرئيس المالي هو أن توافقات تمت بين سياسيين وجنرالات في الجزائر للضغط على الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة بينما من قام بالإنقلاب على الرئيس المالي أمادو توماني موري في 22 مارس الماضي هم مجموعة من الضباط ذوي الرتب الصغيرة بحجة الفساد، لكن عدم اعتراف رؤساء المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا (إكواس) دفع بهم إلى التراجع لصالح رئيس انتقالي جديد وهو ديو نكو ند تراوري الذي شكل الشهر الماضي (حكومة وحدة وطنية).

استغلت الجبهة الوطنية لتحرير الأزواد الانقلاب لتعلن عن انفصال الشمال وتأسيس دولتها المستقلة، داعية دول العالم إلى الاعتراف بها، غير أن المجموعات المسلحة الثلاث: (أنصار الدين المتحالفة مع الأزواد وحركة التوحيد والجهاد المعروفة باختطاف الأجانب والمطالبة بالفدية والمجموعة التي تنتمي الى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) خطفت من الأزواد “فرحتهم” واستغلت ردود أفعال دول الجوار الرافضة لفكرة الانفصال وفرضت سيطرتها على المنطقة بقوة السلاح اعتمادا على المجندين الذين كانوا في كتائب القذافي أو الأجانب الذين التحقوا بهم ممن يؤمنون بفكرة “الخلافة الإسلامية” في الساحل الإفريقي، خاصة أن عملية الاعتداء على قبور الأولياء المصنفة ضمن الآثار الإنسانية أثارت ردود أفعال دولية شبيهة بما أثارته اعتداءات الطالبان على تماثيل بوذا في أفغانستان.

وما قامت به حركة “التوحيد والجهاد” من اختطاف للأجانب في تندوف والدبلوماسيين الجزائريين في شمال مالي إلى جانب التفجيرات التي نفذتها داخل التراب الجزائري جعلها تبدو أكثر خطورة من بقية الجماعات المسلحة.

لم تحظ مطالبة دول غرب إفريقيا الأمم المتحدة بالتدخل -وتشكيلها قوة من 3300 جندي إفريقي- حتى الآن بموافقة الرئيس المالي المؤقت بسبب اصرار الجزائر على عدم التدخل الدولي في شأن دول الجوار، وإن كان التنسيق بين قادة أركان الجيوش في دول الجوار مرشحا لأن يأخذ بعدا جديدا في متابعة عناصر هذه التنظيمات المسلحة.

وإذا كانت الجزائر قد عرفت خلال المأساة الوطنية أكثر من 50 أميرا، وكل أمير يدير مجموعة -وهذه المجموعات مقسمة الى فئتين إحداهما تدعي أنها الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ والثانية دموية التحقت فيما بعد بالقاعدة بعد لجوء الجزائر الى الاستفتاء على السلم والمصالحة الوطنية- فإن مالي ستعرف في شمالها عددا كبيرا من الأمراء واختراقا أمنيا للدول العظمى لمجموعاتها المسلحة، قد يؤدي إلى حرب أهلية إذا لم تحتضن “الحكومة الوطنية” قضية الأزواد وإذا لم تشركهم في الحرب على المجموعات الأخرى سيكونون مجبرين على عدم التعاون مع الحكومة، مما قد يصعب من مهمتها، وفي حال وقوع تدخل عسكري دولي فإن الخطر يزداد على دول الجوار.

.

وإذا أغلقت الجزائر حدودها مع مالي فإن الأزمة تزداد تفاقما، فما هو الحل؟.

أعتقد أنه إذا تأكد إعدام الرهينة الجزائرية فإن مجموعة “التوحيد والجهاد” تصبح مستهدفة في جميع أقطار الوطن العربي عبر امتداداتها في سيناء المصرية واليمن وبعض دول الجوار، الى جانب أن مجموعة من عناصرها موجودة حاليا في السجون الجزائرية، وربما تكشف التحقيقات الأمنية عن جذورها وتؤدي إلى استئصالها.

إن الجزائريين لن ينسوا دم الدبلوماسي الجزائري فهو بالنسبة إليهم شهيد، وكل من يتعاون مع هذه المجموعة يصبح خائنا للوطن، وأكاد أجزم بأن تغيير الحكومة كان عامله الأساسي هو عدم قدرتها على التعامل مع الأزمة وحفظ أمن دبلومسيينا، فهل سيدفن مشروع معمر القذافي أم تحييه المجموعات المسلحة المخترقة من المصالح الأجنبية لضرب استقرار دول الساحل، ومن سيكون الرئيس الموحد لها؟.

مقالات ذات صلة