دولة لا تزول بزوال الرجال!
الدولة القوية هي تلك الدولة التي يكون فيها الشخص خادماً للمؤسسة، وليست المؤسسة خادمة للشخص، حيث يسود فيها القانون ويسري عدله على الكبير قبل الصغير، والضعيف قبل القوي.. ومن ثم هذا المنطق قد يؤدي بالتعامل الشفاف، الحيادي وغير المنحاز لدواليب الدولة بدون التعميمات، ولا التعليمات ولا البرقيات، فمرض رئيس الجمهورية ـ ونتمنى له الشفاء العاجل ـ ما هو إلا مؤشر على هشاشة المنظومة المؤسساتية، فالكل تفاجأ بالإعلام عن نبأ مرض الرئيس، وسرعة الخبر الرسمي، بحكم أن الكل معتاد على الإشاعة والقراءات المغرضة، فالبعض أدخل الإسراع بالخبر وربطه بكأس الجمهورية، والبعض ربطه بالعهدة الرابعة.. وهؤلاء من حقهم، بحكم أن
“الذئب لا يمكن تهجينه وتربيته” مرة اخرى أو بحكم المنعكسات الشرطية البيوغلوفية وأدخنة الفاتيكان البيضاء والسوداء التي تعودت عليها الطبقة السياسية منذ أكثر من عهدتين.
وإنني قد لا أناقش المادة 88 من الدستور، وقضية العجز، والاستخلاف، بحكم مسؤولية الامتناع عن الخوض في نقاشات الدستور الفوقية والورقية، لعدم قناعتي بالجدوى، وأن اللعب مغلق مسبقاً ومحسومة نتيجته قبل البدء. ولكن تفكيري سيكون منصبّاً على ضرورة إيجاد مؤسسات غير مبنية بالمواد المسبقة الصنع التي قد لا تصمد في وجه أية رياح أو زلازل، حتى وإن كانت هزتها الارتدادية ضعيفة، بقدر ما يجب إيجاد مؤسسات لا تزول بزوال الرجال، بعيداً عن الشخصانية. والزعامة وان بعده الدمار والكارثة والخراب.
وتلك الثقافة ليست وليدة اللحظة، بقدر ما هي عمل مستمر ومتواصل، وإرادة سياسية دافعة له، وبيئة حاضنة مهيئة، ويبدو أن التوريث وفتح العهد وفكرة الزعيم الأبدي وصاحب الرؤية الثاقبة، كلها باتت عناوين منافية لهذا المبدأ والمنطق.
فالتطبيقات الأولية لها قد تبدأ بمقولة خادمة لها، ألا وهي:
“لو دامت لغيرك، لما وصلت إليك”. وبها قد نؤسس لدولة لا تزول بزوال الرجال..!! ودولة مؤسسات. أما باقي الشعارات الأخرى فهي تحسينات وفلكلور سياسي قد يدخل صاحبه للكفر السياسي والمؤسساتي بالمنطق الغربي، كما أن الشفافية والاستقالة على الطريقة الفاتيكانية للبابا الأبدي، او الطريقة الإسلامية خزي وندامة عوامل أخرى خادمة لهذا التفكير والثقافة المؤسساتية للدولة، ولذلك نرى التساؤل المطروح والذي اختلف فيه السياسيون بقدر ما اختلف فيه الفقهاء: متى نرتقي لهذا المستوى المؤسساتي من التفكير؟ أليس الإصلاح يبدأ من هنا!
وبالله التوفيق.