ديبلوماسية الجنائز!
إذا سجّلنا حجم التمثيل الدولي الذي حضر مراسيم تشييع جنازة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، فعلينا أن نشرّح الحضور والدول التي حضرت والدول التي لم تحضر، الشخصيات التي جاءت للعزاء والشخصيات التي اكتفت ببرقيات التعزية عبر الفاكس والهاتف، وهذا ليس من أجل الانتقام، أو المنّ أوالتوسّل، وإنـّما حتى نضع النقاط على الحروف!
لماذا اكتفى المغرب “الشقيق” الذي يقتسم مع الجزائر حدودا برية، بإيفاد وزير خارجيته فقط؟، لماذا اكتفت تونس “الشقيقة” التي نقتسم معها أحداث ساقية سيدي يوسف، بإرسال وزير دفاعها؟.
لماذا اكتفت مصر التي أوفدنا لها جيشا عرمرما لمشاركتها حرب 73، بإيفاد وزير شؤونها الدينية، ولماذا اكتفت قطر “الصديقة” بإرسال وليّ عهدها؟ ولماذا اكتفت السلطة الفلسطينية التي قامت ودولتها في الجزائر، فكانت معها ظالمة أو مظلومة، بإرسال ممثلا لرئيسها؟
نحن لا نتسوّل أو نتوسّل، حضور هؤلاء وأولئك، لأن في الأقراح والأحزان، ليس هناك دعوات رسمية، وإنـّما هناك واجب العزاء، ومن لا يعرف هذا الواجب الإنساني المتعامل به في كلّ الديانات السماوية لا حاجة به، أو في أحسن الأحوال فإن حضوره كعدمه!
علينا أن نستوقف أنفسنا، ونسأل أنفسنا، عن الذين حضروا والذين لم يحضروا، وبكلّ جرأة وصراحة، علينا أن نستفسر أنفسنا عن سرّ غياب المتغيّبين، وهل هناك مبررات لعدم حضور جنازة، خاصة إذا كانت تتعلق برئيس جمهورية حتى وإن كان رئيسا أسبقا أو سابقا؟
أليس للراحلين بن بلة والشاذلي، أصدقاء من الرؤساء العالميين السابقين -على الأقل- حتى لا يحضر ولا رئيس دولة حالي أو سابق، مراسيم تشييع جنازتيهما؟، أم أن الاشكالية في “الديبلوماسية” الجزائرية التي لم تنجح في مهمة تشكيل أصدقاء وحلفاء وشركاء يُواسونها في محنها وشدائدها؟
نعم الرجال يُعرفون في الشدائد وفي العسر، وشخصيا اعتقد أنـّنا لسنا في حاجة إلى من يشاركنا حصريا وفقط الأفراح والاحتفالات والحفلات و”الزرد” والولائم، بل إنـّنا في حاجة إلى أن نكتشف أصدقاءنا والمتعاطفين والمتضامنين معنا، من خارج الجزائر، وهذا لا يعني أننا لا نعذر بعض المتغيّبين والغائبين والمتأخرين!
هناك أعذار أقبح من ذنوب، فلا داعي أن يمثـّل علينا ممثلون بارعون في التحايل والمخادعة، لأن من لا يستغل “ديبلوماسية الجنائز” يصبح أبله وأحمق، طالما أنه تغيّب عن قصد أو عن غير قصد عن جنازة رئاسية مفتوحة للمواطنين قبل كبار المسؤولين وصغارهم!
قد يؤلم أبسط الأفراد – ولا نقول الدول في هذا المقام– غياب غير مبرّر لأقرب المقرّبين والجيران وأولاد العم والخال والصديق والشقيق، عن أقراح مفاجئة، يضبط توقيتها القضاء والقدر ومشيئة الله.
علينا أن نـُراجع حساباتنا ونرتـّب دفاترنا، وهذا لا يعني بأيّ شكل من الأشكال التعامل بالمثل والانتقام، لكنه يعني أن نصنع لأنفسنا مكانة ووقارا، ونفرض على غيرنا الاحترام، ونفرّق جيّدا بين من يؤازرنا في الضيق سرّا ودون أن نعلم، ومن يتزاحم في أعراسنا دون عزومة وبلا “حشمة”!
أحيانا يكون “النـّيف” أرقى وأقوى وسيلة للحفاظ على الكرامة وصون الكبرياء، وقديما قالوا في الجزائر: من عندي وعندك تنطبع، ومن عندي برك تنقطع”