ذبّاحون جُدد!
حديثنا للأسف عن “سعر” الأضحية أصبح أهم وأولى وأعمّ من حديثنا عن أصول وأحكام النحر وليس “الذبح”، وغرقنا جميعا في لحم وشحم الكبش وعظمه، ونسينا ما يجب أن نتصدّق ونهدي منه، وتناسينا فضل الزيارات العائلية، ولم نعد مهتمين سوى بالمشوي و”البوزلوف” والتنافس في القدرة على دسّ جزء من الشاة إلى غاية عاشوراء!
لقد غيّر الجشع الطبع، وشاع الطمع بين الجزائريين، والعياذ بالله، ولم يعد الموّالون والسماسرة يعرفون الرحمة والشفقة، حتى في أيام العيد، ولذلك انتشرت تجارة الماشية كلما عاد عيد الأضحى، وأصبح بزناسي السيارات والمعلم وتاجر “الزلابية” في رمضان، والميكانيكي و”العسّاس”، وغيرهم من الموظفين والمستخدمين، تجارا للكباش و”ذباحين” لإخوانهم!
ما يُمكن وصفه بالانحراف وتبدّل المفاهيم وانتحار التقاليد، هو الذي نشر ثقافة شراء الأضحية بـ”الفاسيليتي”، وهو الذي عمّم ظاهرة التزاحم عليها بـ”الكريدي”، وأصبح التباهي بالأقرن والأملح والسمين وصاحب العضلات، عدوى تنتشر للأسف بين عامة الجزائريين، حتى بدأ الناس في تسمية الكباش بأبطال الإثارة والأكشن وأفلام الحرب والقتال!
عندما يبرّر ربّ العائلة شراء الأضحية فيقول: “والله غير شريتها على جال الذراري”، ففي هكذا مبررات غرابة واستغراب، وعندما يقول آخر وهو في كامل قواه العقلية والنفسية: “نشري الكبش باش ناكلو اللحم مرة في العام”، ففي ذلك استفزاز للبطون قبل العقول السويّة!
نعم، تغيّرنا جميعا نتيجة تغيّر المجتمع الجزائري، من السيء إلى الأسوإ، والحمد لله أن بيننا لم يتغيّر، وعلى درب الأولين سائر في مثل هذه المناسبات الدينية المقدسة، وعلينا أن نسأل أنفسنا، كم واحد منـّا وبيننا، يروي لأبنائه قصة عيد الأضحى، وقصة سيّدنا إبراهيم وابنه إسماعيل؟
تتنامى القصص وسط العائلات، وبين الكبير والصغير، وأغلبها مرتبط بأسواق الماشية، وببورصة الأضاحي، وبأطباق أيام العيد، وتكاد القصة الأساسية تختفي ولا يظهر لها أثر، اللهم ما يسمعه جموع المصلين في خطبة صلاة العيد، ولاحظوا كيف يفرّ العديد من المصلين، نحو بيوتهم، بعد الصلاة، وفي دواخلهم رغبة في “الانقضاض” على الكبش بعد إذن الإمام!
علينا جميعا، أن نعترف بانتحار الكثير من المعاني والمقدسات والأعراف والعادات، ولذلك لم يعد لعيد الأضحى “طعم” ومذاق، ماعدا ما يتذوقه الناس في أطباق الكسكسي والدوارة والمحمّر والمجمّر، واقصدوا هنا المحلات، لتقفوا على طابور شراء “الجمر” والشوّايات وأعواد تنقية الأسنان.. لقد عدت يا عيد، لكن بأيّ حال عدت يا عيد؟