رؤية الجزائر في إفريقيا… من الأقوال إلى الأفعال
في ظرف أقلّ من أسبوع، تحتضن الجزائر ثلاث تظاهرات دولية بمشاركات نوعية قياسية لبحث تطلعات أجيال إفريقيا الجديدة في الاقتصاد والتنمية والسلم والاستقرار وتصفية حسابها التاريخ مع الاستعمار، لتثبت، مرة أخرى، أنها تظلّ دومًا رائدة المبادرات القاريّة في إعلاء صوت الأفارقة عاليًا والدفاع عن مصالحهم العليا وبلورة خطط النهوض بشكل جماعي في مواجهة كل التحديات.
سياسة الجزائر تجاه إقليمها الإفريقي لم تتغير منذ ثورة التحرير 1954، فهي مثلما كانت قبلة للثوار خلال ستينيات القرن العشرين وما تلاها، فهي اليوم وجهة قادة القارّة في الدفاع عن ذاكرتها الجماعية لتحقيق العدالة التاريخيّة والإنصاف، موازاة مع التخطيط لمستقبل أبنائها في ظل تكالب دولي على ثرواتها الطبيعية ومجالها الجيو-سياسي.
إنّ هذه التحركات الإقليمية في مختلف الاتجاهات، تثبت مجددا أنّنا أمام رؤية دولة ناضجة وجادة في استعادة موقع الجزائر قاريّا بمقاربة متكاملة وعملية، حيث بدأت معالمها تتجسد تدريجيا وميدانيا بمشاريع إعلامية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، لتطويق مخاطر الساحل الإفريقي، أوّلا، لأنّ مفهوم الأمن القومي يشمل حماية ما وراء الحدود ويمتد حيث مصالح كل بلد، وثانيا لأجل المساهمة في إنقاذ إفريقيا من مخالب الفقر والجوع والحروب وكل آفات التوترات السياسية والتدخلات الأجنبية.
لقد برزت إفريقيا باعتبارها عمق الجزائر الجغرافي والتاريخي والمستقبلي أيضا، منذ بداية حكم الرئيس تبون عام 2020، فكانت حاضرة بقوة في الخطاب الدبلوماسي وإدارة الملفات الإقليمية والدوليّة في العلاقة مع الشركاء والقوى الكبرى، لأن بلادنا بصفتها ثالث قوة اقتصادية وثاني مركز عسكري إفريقي لا يمكنها منطقيا ولا براغماتيا أن تكون منكفئة على نفسها.
لكن الأهم من ذلك هو أن رؤية الجزائر في عهدها الجديد تحولت من التنظير إلى الأفعال بحزمة مشاريع شاملة ومتكاملة، انطلقت من السعي لتسريع تدشين “المنطقة الإفريقية الحرة” وتحريك المبادلات التجارية البينيّة برفع الصادرات خارج المحروقات وتكثيف فرص التعاون الثنائي واتفاقات الشراكة.
موازاة مع ذلك، تأسست المنابر الإعلامية الخارجية، والتي نتمنى لها حسن الاستثمار البشري والارتقاء في الأداء، ثم تفعيل الدبلوماسية الموازية من خلال إعادة مدّ جسور التاريخ عن طريق رعاية ميراث أقطاب التصوف السنّي والإصلاح الديني، وعلى رأسهم العلامة عبد الكريم المغيلي، ناهيك عن إطلاق حملة استقطاب لالتحاق الطلبة الأفارقة بالجامعات الجزائرية ثم المدرسة الوطنية العليا بـ”جامع الجزائر”.
ومن دون شكّ، فإنّ مبادرة الرئيس تبون بتأسيس “الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية”، خلال الأسابيع الأولى من اعتلائه مقاليد الحكم، وضخّ مليار دولار في حسابها، تبقى من أهم المكاسب في خدمة إفريقيا، خاصة مع تركيز نشاطاتها أساسًا على مجالات الصحة والمياه والتعليم، لتخفيف وطأة الفقر والعطش وقلة مرافق العلاج وتصريف المياه وغيرها من الأولويات التنموية.
هنا قد يبرز سؤال شعبوي، تحاول أطراف التشويش والتقليل من كل جهد وطني ترويجه بغرض التضليل، وهو: ما فائدة الجزائر من التوجه نحو مساعدة الدول الإفريقية؟ بزعم أن الأولوية لتلبية حاجيات الجزائريين.
أولا: ينبغي التوضيح أن السياسة العمومية، عكس المغالطات المكشوفة، لم تدَّخر جهدا في ترقية الظروف الاجتماعية على كافة المستويات ولكل الفئات، حتى ولو كانت الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تحقق كل ما هو مطلوب، لأنّ التراكم والتطلعات كبيرتين، ثم إنه لا تعارض، في منطق الدولة، بين التكفل بحاجيات المواطنين والتطلع نحو أدوار خارجية لفائدة المنطقة، لأنها في النهاية تقع ضمن المنظور الاستراتيجي للمصالح الداخلية.
ثانيا: أنّ التوجه نحو العمق الإفريقي ليس خيارا، بل هو حتمية في رؤية الدولة لاعتبارات كثيرة، أبرزها المحددات الجغرافية والأمنية والإستراتيجية، والتي تضع الجزائر في قلب المعادلة الأمنية للمنطقة، إذ تقوم مقاربتها في محاصرة الإرهاب وضمان الاستقرار على النهج التنموي وقطع الطريق على الكيان الصهيوني والتدخلات الأجنبية التي تحركها مطامع استغلال الثروات الباطنية هناك، وتكريس التبعية الاستعماريّة، بكل ما تشكّلها من أخطار بالغة على دول القارّة.
كما أنه من مسؤولية الجزائر، كقوة إقليمية طموحة تملك كل مقومات الريادة القاريّة، بناء علاقات متقدِّمة مع فضائها الإفريقي، تتيح لها التغلغل التجاري مستقبلا في إطار رؤيتها الاقتصادية الجديدة على قاعدة “رابح-رابح”، فضلا عن مواصلة أداء دورها الإنساني، كمركز إشعاع حضاري منذ حروب التحرير الوطنية في إفريقيا.
لقد صارت “الدبلوماسية الناعمة”، القائمة على الاختراق الثقافي والتعليمي والإعلامي والفنّي والتنموي، نهجًا عالميّا لدى القوى العظمى في اختراق المناطق المغلقة والمستعصية وتلك الخاضعة لمنافسة دوليّة، أو الحفاظ على مصالحها العليا في إطار رؤية قومية، ومن الواجب على دول وازنة في حجم الجزائر، برصيدها التاريخي وإمكاناتها المادية والبشرية، أن يكون لها مشروعٌ إقليمي وقارّي يستجيب لتطلعاتها القُطريّة ويرقى إلى مستوى رهانات القارّة.
رؤية الجزائر في إفريقيا… من الأقوال إلى الأفعال
في ظرف أقلّ من أسبوع، تحتضن الجزائر ثلاث تظاهرات دولية بمشاركات نوعية قياسية لبحث تطلعات أجيال إفريقيا الجديدة في الاقتصاد والتنمية والسلم والاستقرار وتصفية حسابها التاريخ مع الاستعمار، لتثبت، مرة أخرى، أنها تظلّ دومًا رائدة المبادرات القاريّة في إعلاء صوت الأفارقة عاليًا والدفاع عن مصالحهم العليا وبلورة خطط النهوض بشكل جماعي في مواجهة كل التحديات.
سياسة الجزائر تجاه إقليمها الإفريقي لم تتغير منذ ثورة التحرير 1954، فهي مثلما كانت قبلة للثوار خلال ستينيات القرن العشرين وما تلاها، فهي اليوم وجهة قادة القارّة في الدفاع عن ذاكرتها الجماعية لتحقيق العدالة التاريخيّة والإنصاف، موازاة مع التخطيط لمستقبل أبنائها في ظل تكالب دولي على ثرواتها الطبيعية ومجالها الجيو-سياسي.
إنّ هذه التحركات الإقليمية في مختلف الاتجاهات، تثبت مجددا أنّنا أمام رؤية دولة ناضجة وجادة في استعادة موقع الجزائر قاريّا بمقاربة متكاملة وعملية، حيث بدأت معالمها تتجسد تدريجيا وميدانيا بمشاريع إعلامية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، لتطويق مخاطر الساحل الإفريقي، أوّلا، لأنّ مفهوم الأمن القومي يشمل حماية ما وراء الحدود ويمتد حيث مصالح كل بلد، وثانيا لأجل المساهمة في إنقاذ إفريقيا من مخالب الفقر والجوع والحروب وكل آفات التوترات السياسية والتدخلات الأجنبية.
لقد برزت إفريقيا باعتبارها عمق الجزائر الجغرافي والتاريخي والمستقبلي أيضا، منذ بداية حكم الرئيس تبون عام 2020، فكانت حاضرة بقوة في الخطاب الدبلوماسي وإدارة الملفات الإقليمية والدوليّة في العلاقة مع الشركاء والقوى الكبرى، لأن بلادنا بصفتها ثالث قوة اقتصادية وثاني مركز عسكري إفريقي لا يمكنها منطقيا ولا براغماتيا أن تكون منكفئة على نفسها.
لكن الأهم من ذلك هو أن رؤية الجزائر في عهدها الجديد تحولت من التنظير إلى الأفعال بحزمة مشاريع شاملة ومتكاملة، انطلقت من السعي لتسريع تدشين “المنطقة الإفريقية الحرة” وتحريك المبادلات التجارية البينيّة برفع الصادرات خارج المحروقات وتكثيف فرص التعاون الثنائي واتفاقات الشراكة.
موازاة مع ذلك، تأسست المنابر الإعلامية الخارجية، والتي نتمنى لها حسن الاستثمار البشري والارتقاء في الأداء، ثم تفعيل الدبلوماسية الموازية من خلال إعادة مدّ جسور التاريخ عن طريق رعاية ميراث أقطاب التصوف السنّي والإصلاح الديني، وعلى رأسهم العلامة عبد الكريم المغيلي، ناهيك عن إطلاق حملة استقطاب لالتحاق الطلبة الأفارقة بالجامعات الجزائرية ثم المدرسة الوطنية العليا بـ”جامع الجزائر”.
ومن دون شكّ، فإنّ مبادرة الرئيس تبون بتأسيس “الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية”، خلال الأسابيع الأولى من اعتلائه مقاليد الحكم، وضخّ مليار دولار في حسابها، تبقى من أهم المكاسب في خدمة إفريقيا، خاصة مع تركيز نشاطاتها أساسًا على مجالات الصحة والمياه والتعليم، لتخفيف وطأة الفقر والعطش وقلة مرافق العلاج وتصريف المياه وغيرها من الأولويات التنموية.
هنا قد يبرز سؤال شعبوي، تحاول أطراف التشويش والتقليل من كل جهد وطني ترويجه بغرض التضليل، وهو: ما فائدة الجزائر من التوجه نحو مساعدة الدول الإفريقية؟ بزعم أن الأولوية لتلبية حاجيات الجزائريين.
أولا: ينبغي التوضيح أن السياسة العمومية، عكس المغالطات المكشوفة، لم تدَّخر جهدا في ترقية الظروف الاجتماعية على كافة المستويات ولكل الفئات، حتى ولو كانت الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تحقق كل ما هو مطلوب، لأنّ التراكم والتطلعات كبيرتين، ثم إنه لا تعارض، في منطق الدولة، بين التكفل بحاجيات المواطنين والتطلع نحو أدوار خارجية لفائدة المنطقة، لأنها في النهاية تقع ضمن المنظور الاستراتيجي للمصالح الداخلية.
ثانيا: أنّ التوجه نحو العمق الإفريقي ليس خيارا، بل هو حتمية في رؤية الدولة لاعتبارات كثيرة، أبرزها المحددات الجغرافية والأمنية والإستراتيجية، والتي تضع الجزائر في قلب المعادلة الأمنية للمنطقة، إذ تقوم مقاربتها في محاصرة الإرهاب وضمان الاستقرار على النهج التنموي وقطع الطريق على الكيان الصهيوني والتدخلات الأجنبية التي تحركها مطامع استغلال الثروات الباطنية هناك، وتكريس التبعية الاستعماريّة، بكل ما تشكّلها من أخطار بالغة على دول القارّة.
كما أنه من مسؤولية الجزائر، كقوة إقليمية طموحة تملك كل مقومات الريادة القاريّة، بناء علاقات متقدِّمة مع فضائها الإفريقي، تتيح لها التغلغل التجاري مستقبلا في إطار رؤيتها الاقتصادية الجديدة على قاعدة “رابح-رابح”، فضلا عن مواصلة أداء دورها الإنساني، كمركز إشعاع حضاري منذ حروب التحرير الوطنية في إفريقيا.
لقد صارت “الدبلوماسية الناعمة”، القائمة على الاختراق الثقافي والتعليمي والإعلامي والفنّي والتنموي، نهجًا عالميّا لدى القوى العظمى في اختراق المناطق المغلقة والمستعصية وتلك الخاضعة لمنافسة دوليّة، أو الحفاظ على مصالحها العليا في إطار رؤية قومية، ومن الواجب على دول وازنة في حجم الجزائر، برصيدها التاريخي وإمكاناتها المادية والبشرية، أن يكون لها مشروعٌ إقليمي وقارّي يستجيب لتطلعاتها القُطريّة ويرقى إلى مستوى رهانات القارّة.
رؤية الجزائر في إفريقيا… من الأقوال إلى الأفعال
في ظرف أقلّ من أسبوع، تحتضن الجزائر ثلاث تظاهرات دولية بمشاركات نوعية قياسية لبحث تطلعات أجيال إفريقيا الجديدة في الاقتصاد والتنمية والسلم والاستقرار وتصفية حسابها التاريخ مع الاستعمار، لتثبت، مرة أخرى، أنها تظلّ دومًا رائدة المبادرات القاريّة في إعلاء صوت الأفارقة عاليًا والدفاع عن مصالحهم العليا وبلورة خطط النهوض بشكل جماعي في مواجهة كل التحديات.
سياسة الجزائر تجاه إقليمها الإفريقي لم تتغير منذ ثورة التحرير 1954، فهي مثلما كانت قبلة للثوار خلال ستينيات القرن العشرين وما تلاها، فهي اليوم وجهة قادة القارّة في الدفاع عن ذاكرتها الجماعية لتحقيق العدالة التاريخيّة والإنصاف، موازاة مع التخطيط لمستقبل أبنائها في ظل تكالب دولي على ثرواتها الطبيعية ومجالها الجيو-سياسي.
إنّ هذه التحركات الإقليمية في مختلف الاتجاهات، تثبت مجددا أنّنا أمام رؤية دولة ناضجة وجادة في استعادة موقع الجزائر قاريّا بمقاربة متكاملة وعملية، حيث بدأت معالمها تتجسد تدريجيا وميدانيا بمشاريع إعلامية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، لتطويق مخاطر الساحل الإفريقي، أوّلا، لأنّ مفهوم الأمن القومي يشمل حماية ما وراء الحدود ويمتد حيث مصالح كل بلد، وثانيا لأجل المساهمة في إنقاذ إفريقيا من مخالب الفقر والجوع والحروب وكل آفات التوترات السياسية والتدخلات الأجنبية.
لقد برزت إفريقيا باعتبارها عمق الجزائر الجغرافي والتاريخي والمستقبلي أيضا، منذ بداية حكم الرئيس تبون عام 2020، فكانت حاضرة بقوة في الخطاب الدبلوماسي وإدارة الملفات الإقليمية والدوليّة في العلاقة مع الشركاء والقوى الكبرى، لأن بلادنا بصفتها ثالث قوة اقتصادية وثاني مركز عسكري إفريقي لا يمكنها منطقيا ولا براغماتيا أن تكون منكفئة على نفسها.
لكن الأهم من ذلك هو أن رؤية الجزائر في عهدها الجديد تحولت من التنظير إلى الأفعال بحزمة مشاريع شاملة ومتكاملة، انطلقت من السعي لتسريع تدشين “المنطقة الإفريقية الحرة” وتحريك المبادلات التجارية البينيّة برفع الصادرات خارج المحروقات وتكثيف فرص التعاون الثنائي واتفاقات الشراكة.
موازاة مع ذلك، تأسست المنابر الإعلامية الخارجية، والتي نتمنى لها حسن الاستثمار البشري والارتقاء في الأداء، ثم تفعيل الدبلوماسية الموازية من خلال إعادة مدّ جسور التاريخ عن طريق رعاية ميراث أقطاب التصوف السنّي والإصلاح الديني، وعلى رأسهم العلامة عبد الكريم المغيلي، ناهيك عن إطلاق حملة استقطاب لالتحاق الطلبة الأفارقة بالجامعات الجزائرية ثم المدرسة الوطنية العليا بـ”جامع الجزائر”.
ومن دون شكّ، فإنّ مبادرة الرئيس تبون بتأسيس “الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية”، خلال الأسابيع الأولى من اعتلائه مقاليد الحكم، وضخّ مليار دولار في حسابها، تبقى من أهم المكاسب في خدمة إفريقيا، خاصة مع تركيز نشاطاتها أساسًا على مجالات الصحة والمياه والتعليم، لتخفيف وطأة الفقر والعطش وقلة مرافق العلاج وتصريف المياه وغيرها من الأولويات التنموية.
هنا قد يبرز سؤال شعبوي، تحاول أطراف التشويش والتقليل من كل جهد وطني ترويجه بغرض التضليل، وهو: ما فائدة الجزائر من التوجه نحو مساعدة الدول الإفريقية؟ بزعم أن الأولوية لتلبية حاجيات الجزائريين.
أولا: ينبغي التوضيح أن السياسة العمومية، عكس المغالطات المكشوفة، لم تدَّخر جهدا في ترقية الظروف الاجتماعية على كافة المستويات ولكل الفئات، حتى ولو كانت الإجراءات المتخذة حتى الآن لا تحقق كل ما هو مطلوب، لأنّ التراكم والتطلعات كبيرتين، ثم إنه لا تعارض، في منطق الدولة، بين التكفل بحاجيات المواطنين والتطلع نحو أدوار خارجية لفائدة المنطقة، لأنها في النهاية تقع ضمن المنظور الاستراتيجي للمصالح الداخلية.
ثانيا: أنّ التوجه نحو العمق الإفريقي ليس خيارا، بل هو حتمية في رؤية الدولة لاعتبارات كثيرة، أبرزها المحددات الجغرافية والأمنية والإستراتيجية، والتي تضع الجزائر في قلب المعادلة الأمنية للمنطقة، إذ تقوم مقاربتها في محاصرة الإرهاب وضمان الاستقرار على النهج التنموي وقطع الطريق على الكيان الصهيوني والتدخلات الأجنبية التي تحركها مطامع استغلال الثروات الباطنية هناك، وتكريس التبعية الاستعماريّة، بكل ما تشكّلها من أخطار بالغة على دول القارّة.
كما أنه من مسؤولية الجزائر، كقوة إقليمية طموحة تملك كل مقومات الريادة القاريّة، بناء علاقات متقدِّمة مع فضائها الإفريقي، تتيح لها التغلغل التجاري مستقبلا في إطار رؤيتها الاقتصادية الجديدة على قاعدة “رابح-رابح”، فضلا عن مواصلة أداء دورها الإنساني، كمركز إشعاع حضاري منذ حروب التحرير الوطنية في إفريقيا.
لقد صارت “الدبلوماسية الناعمة”، القائمة على الاختراق الثقافي والتعليمي والإعلامي والفنّي والتنموي، نهجًا عالميّا لدى القوى العظمى في اختراق المناطق المغلقة والمستعصية وتلك الخاضعة لمنافسة دوليّة، أو الحفاظ على مصالحها العليا في إطار رؤية قومية، ومن الواجب على دول وازنة في حجم الجزائر، برصيدها التاريخي وإمكاناتها المادية والبشرية، أن يكون لها مشروعٌ إقليمي وقارّي يستجيب لتطلعاتها القُطريّة ويرقى إلى مستوى رهانات القارّة.