رئاسيات 2019.. أي دور للجيش؟
عرفت المؤسسة العسكرية الجزائرية إصلاحات مختلفة في تاريخها الحديث، كان أهمها من دون شك الإصلاحات الأخيرة التي أعقبت رئاسيات 2014، خاصة ما تعلق منها بإعادة الهيكلة وإعادة النظر في توزيع المهام والصلاحيات والقوانين المنظمة لذلك.
ولا يكاد يختلف اثنان في أن هذه الإصلاحات كانت ضرورية وحاسمة ومتلائمة مع التطورات التي عرفها المجتمع الجزائري والتطورات التي عرفتها السياسة الدولية، وما أفرزته الأحداث من معطيات جديدة تغيرت معها الكثير من المفاهيم والتكتلات والتحالفات والتصورات والمنظورات الجديدة والقديمة، وكان من أهم هذه التغييرات إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية وإعادة توزيع المهام والصلاحيات، حسب ما هو متعارف عليه في الجيوش والمؤسسات الأمنية العالمية، خاصة مشكلة تضخم الجهاز الأمني بفروعه المختلفة وتحوله من جهاز خادم للدولة إلى جهاز تخدمه الدولة، وهو وضع مشوه كان يتطلب الإصلاح والتعديل، إلا أن غياب القيادة الواعية والقادرة على فعل ذلك من جهة وحساسية المؤسسة العسكرية من جهة أخرى عطلا الإصلاح وأخراه لمدة طويلة.
إن الفئات المستفيدة من الوضع القائم والتي تخشى على مصالحها من التأثر والانحصار والاندحار، هذه الفئات عادة ما ترفض التغيير وتعاديه وتبلور إستراتيجية للمقاومة والدفاع عن المصالح والمكانة المحققة بالحق وبالباطل، ودائما ما تغلف هذا الدفاع بإيديولوجيا تتمظهر بالبراءة والموضوعية والإخلاص ليتم تسويقها بسهولة، وليس غريبا أن تجد لهذه الادعاءات والتبريرات أنصارا ومؤيدين حتى من ضحاياها السابقين، وفي هذا السياق يمكن تسجيل ردات الفعل العنيفة التي صاحبت وأعقبت الاصلاحات العميقة التي مست هيكلة الجيش الجزائري في المدة الأخيرة، لقد كانت هناك زمر تعيش على الريع وتتبوأ المكانة التي لا تستحقها من خلال الارتباط بالعصب المختلفة، وتقديم الخدمات مقابل الغنائم الموزعة خارج إطار القانون ومؤسسات الدولة، ومن بين هؤلاء فئة من “النكرات” و”المجاهيل” تصدرت زورا وبهتانا عالم الثقافة والسياسة وشوهت ملامحه بالكذب والدجل وقراءة المستقبل، وبعد أن تقطعت بها السبل اتخذت لنفسها أوكارا في الخارج وارتبطت بلوبيات مشبوهة بعضها على علاقة بالاستعمار القديم أو بالاستعمار الجديد وبعضها يقدم خدمات مدفوعة الثمن لدوائر مشبوهة. هذه الزمرة اتخذت من التطاول على المؤسسة العسكرية وقياداتها الحالية تجارة رابحة تسوقها هنا وهناك، وهي تدرك جيدا أنها تبيع الوهم وتروج للباطل وفعلها يدخل في خطة الحفاظ على بقايا معنويات الفلول التي شتتتها الاصلاحات وقضت على مخططاتها التي جعلت الدولة رهينة لعصب تعمل في إطار أجندات مشبوهة.
من اللافت للنظر أن ظهور هذه العصابة تزامن مع الاصلاحات العميقة التي عرفها الجيش الوطني الشعبي خاصة إعادة هيكلة الجهاز الأمني، وزادت حدة هذا الهجوم مع المواقف الأخيرة لقيادة الأركان من الأصوات المطالبة بالانقلاب والتدخل في السياسة، وهذا يفسر الكثير من اللغط الذي يتردد صداه في الداخل، مما يجعل الملاحظ يستنتج دون عناء كبير أن الخطاب يصدر من معين واحد، ويوجه من دهاليز شعر أصحابها بأن عهد الإملاءات قد انتهى، وأن عهد العبث بالدولة والتطاول على إرادة الشعب قد ولى إلى غير رجعة، وآن الأوان لكي يعرف كل واحد قدره ويلتزم حدوده.
إن من ينسف في هذه الأبواق يعرف جيدا التحولات العميقة التي تعرفها السياسة الجزائرية خاصة ما تعلق منها بالإصلاحات التي باشرها الجيش الذي يعد العمود الفقري والقلب النابض للدولة الجزائرية الحديثة، ومما زاد في مخاوف هذه العصابة هو إدراكها أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون المحطة الحاسمة التي سوف تقضي على كل أحلامهم الاستعمارية البالية وأن القيادة الحالية للجيش عازمة كل العزم على إنجاح هذه المحطة وجعلها بداية النهاية لمسلسل الإصلاحات الذي باشرته منذ مدة بخطى واعية ومحسوبة.
لقد كانت الخطة في البداية قائمة على محاولة زرع الشقاق بين الرئاسة وقيادة الجيش من خلال تضخيم دور مستشاري الرئيس وتصويرهم على أنهم المتحكمين في كل مفاصل الدولة، ولاحقا حاولوا زرع الشك والريبة في صفوف الجيش من خلال الحديث عن الإقالات الوهمية لقيادته وعدم رضا الرئاسة عنها، ولاحقا حاولوا التشويش على الإصلاحات من خلال المطالبة برئاسيات مسبقة، ومع مرور الوقت وتزاحم الاحداث اختلط كذب الكذاب بأحلامه وأمانيه وارتدت عليه بقرا متشابها لا يميز بعضها من بعض، وأصبح يرى الوهم الذي يطلقه في الفضاء الافتراضي من فترة إلى أخرى الواقع الحقيقي الذي لا شيء سواه.
وبعدما تهاوت أوراق الخريف عن سوءاتهم وبدا لهم الخبر اليقين وتأكدوا أن الجيش ماض في الاصلاح وعازم على التغيير وأن الرئاسيات القادمة محطة حاسمة، زادت كمية كذبهم وارتفعت حمى التشويش الصادرة عنهم، وانتقلت العصابة إلى الطعن في الأشخاص والمساس بالحياة الخاصة للأفراد خاصة قيادات الجيش العليا التي باتت مستهدفة بشكل أساسي، واستهدافهم لقيادة الجيش دليل على أن القطار في الاتجاه السليم وسيصل المحطة القادمة سالما بإذن الله.
ربما البعض من هؤلاء البقايا قد باع نفسه للشيطان وقبض الثمن ولا يعنيه الباقي وهم الأكثرية الغالبة، وبعضهم لم يجد من يشتري لهو كلامه الفارغ وحكاياته التافهة وهو يظن أنه في موقع يسمح له بممارسة الضغط على قيادة الجيش من أجل أن تأذن له بالتموقع من جديد والعودة إلى تحصيل الريع والحياة الرغيدة، لذلك تارة يهدد بالملفات وتارة يعرض استعداده لتقديم الخدمة من جديد، وهو المسكين لا يدري أن ما يملكه لن يدين أحدا سواه، وأن موقعه لا يسمح له ولا لأسياده بممارسة أي ضغط وأن الذي كان زمن حكم بقايا الاستعمار لم يعد بالإمكان، ومما زاد من تهافت تهافتهم الأحمق وعي الشعب وإدراكه للمؤامرة وعزوفه عن الإنجرار ورائها والتورط فيها، ووعيه التام بالحدود الفاصلة بين ممارسة السياسة الحقة والمعارضة الواعية والبحث عن المجد والسعي وراء المصالح ولو على أنقاض الوطن.
من المهم أن يعلم الجميع أن هدف هذه العصابة هو التشويش على الانتخابات الرئاسية القادمة وحمى الكذب الممنهج الذي تطلقه يسعى لممارسة الضغط على قيادة الجيش والتأثير على مواقفها الراسخة حتى يكون لها مكان في جزائر ما بعد 2019، وما لا تدركه هذه الجماعة أن لا أحد يستطيع إيقاف قافلة التغيير والإصلاح الذي باشره الجيش تحت قيادة الفريق أحمد قايد صالح ناىْب وزير الدفاع ورىْيس أركان الجيش الوطني الشعبي وأن عهد الوصاية والابتزاز قد ولى إلى غير رجعة، والاستقواء بالخارج لم يعد يجدي، ومن كان يراوده الشك في كل هذا فموعدنا الانتخابات الرئاسية القادمة وبداية النهاية للتغيير والاصلاحات التي بادرت بها القيادة العسكرية العليا التي نتمنى لها التوفيق في خدمة البلد وحمايته.