راس الخيط!
أغلب السياسيين عندما يسألهم الصحفيون، لا يعرفون ما يقولون، أو يتهرّبون من الإجابة ويفضلون الصمت، ولو إلى حين، ومنهم من يحلّل ولا يُناقش، ومنهم من يُطلق بارود عراسي!
في المجمل، فإن تصريحات السياسيين تؤكد بالجملة والتجزئة، أن قليل القليل منهم، فقط، يملك المعلومة، أو جزءا من هذه المعلومة، ولذلك فإنه يعرف ما يقوله، ومتى يقوله، ولماذا يقوله، وفي من يقوله؟
من الطبيعي أن يُلفت سياسيون انتباه الرأي العام واهتمام الصحافة الوطنية وحتى الأجنبية، وتجد بعضهم حين يعقد مثلا ندوة صحفية ينجح في صناعة الحدث، حتى وإن لم يقل شيئا أو قال شيئا مستهلكا!
بالمقابل، هناك سياسيون آخرون، فشلوا على مرّ الأيام، من صناعة اسم لأنفسهم، لأن طريقة عملهم خاطئة، بالرغم من الهول والضجيج والهالة التي يُرافقون بها أنشطتهم وتصريحاتهم، لكنها في الغالب تمرّ مرور الكرام، وهناك من لا يسمع بها أصلا!
عدم امتلاك الكثير من السياسيين، للمعلومة والخبر اليقين جعلهم ويجعلهم غير متحكمين في التحليل والتوقـّع و”التنبّؤ”، ولذلك فإن استشرافهم ظلّ مجرّد ضرب لخطّ الرمل وممارسة لفنون “الزمياطي”، بينما تغلّب عليهم آخرون بامتلاك المعلومة، أو “راس الخيط”، بما جعل أغلب تحركاتهم محسوبة وتصريحاتهم تتحقّق بأثر رجعي!
عدم امتلاك المعلومة وغياب “مصادر الخبر”، جعلت أغلب السياسيين، بمن فيهم المخضرمين، يستقيلون من التصريح وحتى التلميح، ومنهم من انسحب نهائيا، ولم يعد سوى يلتقي في مآدب وصالونات، تبحث هي الأخرى عن معلومة، تساعد على “التعايش” مع التطورات وفهم الذي يجري!
من الطبيعي، أن تنكسر الثقة وتنتحر بين المواطن البسيط، وجموع السياسيين، ممّن يقولون ما لا يعلمون، وهو ما يجعلهم يفعلون ما لا يجب فعله، أو يُراهنون على “صيد” غير وفير، وأحيانا غير موجود أصلا!
لم يصدق إلاّ القليل فقط من السياسيين في توقعاتهم وتصريحاتهم، وهؤلاء كانوا يملكون دون شكّ معلومات ولو غير مؤكدة أو غير رسمية، لكنهم تمكنوا بفضل هذا “الحدّ الأدنى” من الاقتراب وتفسير ما يصعب تفسيره!
لم يعد الاتصال بسياسيين من طرف إعلاميين، لتسجيل موقف أو رأي أو تحليل واقعة، يُجدي نفعا، لأن أولئك أصبحوا يعطون الانطباع بأنهم “ما فهمين فيها والو” أو أنهم “ماشي حابين يفهمو”!