.. راك واقـف!
الزيارات التفتيشية المفاجئة، للإدارات والمستشفيات والأسواق، أثبتت نجاعتها، فالمتورط أو المتواطئ يُلقى عليه القبض متلبسا بسوء تسيير أو ممارسة “حقرة” أو فرض بيروقراطية ومحسوبية على المواطنين، لكن هل تكفي هذه التفتيشات في ظلّ عقليات ترفض أن تتعدّد أو تتجدّد أو تتبدّد؟
عندما تتحوّل “الحقرة” والسوء التسيير إلى “ثقافة” وخطة عمل، يتبادلها المسيّرون في المصالح المعنية بالشأن العام، فمن الطبيعي أن تعمّ “الفوضى المنظمة”، وتغيب الأخلاق، وتنسحب الكفاءة لفائدة الرادة، ويستقيل المحترمون فاسحين المجال للانتهازيين والوصوليين!
لو مارست لجان التفتيش صلاحياتها ووظيفتها كاملة غير منقوصة، وابتعدت عن الرأفة وتخفيف العقوبات، لتمّ طرد الكثير من المكلفين بالمصالح في الإدارات والمستشفيات ومراكز البريد والبنوك والمطارات ومختلف الهيئات المعنية بتسيير حوائج المواطنين!
مواطنون يتعذبون، فيقصدون بلدية أو ولاية، فلا يستقبلهم المير ولا الوالي، وآخرون يدخلون مستشفى من أجل العلاج، لكنهم يصادفون قلوب حجرية، وآخرون يتعرّضون للزجر والتوبيخ والإهانة في مواقع أخرى قصدوها سالمين لكنهم غادروها غير غانمين!
من الضروري تغيير الكثير من الذهنيات البالية والمتحجرة التي عذبت جزائريين وأسكنت فيهم اليأس والتشاؤم والقنطة والقنوط، ولعلّ التسيير بـ “النفحة” أو “المزيّة” أدخلنا في أغلب الحالات في متاهات تضرّ ولا تنفع، وقد فرّ مستثمرون ورجال أعمال بسبب هذا التصرّف الأبله!
مشكلتنا أن المسيّر الماهر والمبدع يتحوّل إلى متراخ ومستقيل معنويا، نتيجة صعوبة تغيير الوضع، ولذلك يفشل الوزير والمدير والوالي والمير، اللاحق في “تحسين الخدمة العمومية” مقارنة بما تركه السابق، ولذلك أيضا تستمر المشاكل والألغام والاحتجاجات، رغم تغيير الأشخاص!
لم تعد الإقالة والطرد والعزل والتحويل والإحالة على التقاعد، قادرة على تزويق صورة شوّهتها اللامبالاة والإهمال والتسيّب، وأكبر خطر هو اليأس من “الإصلاح” والتعايش أو التكيّف مع الوضع مثلما هو عليه، وهي الحالة التي مططت عمر “المحنة” في المستشفيات والإدارات والمدارس، وغيرها، رغم رحيل مسؤولين وقدوم آخرين!
ليس بالعشوائية أو الاستعراض أو الفلكلور أو تصفية الحسابات أو البحث عن الأضواء، تحلّ المشاكل وتـُملأ كشوف النقاط، وأعتقد أن أفيد بديل، هو أن يبدأ كلّ شخص بنفسه.. وإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.