ربع قرن من الحضور الميداني المتميز
حازت جمعية متقاعدي عمال التربية لولاية باتنة فضيلة التميز من حيث صنف الجمهور التي هدفت إلى جمعه تحت مظلتها وتأطيره. وهو جمهور نوعي في مواصفاته، لأنه متشكل من فئات المربين بمختلف مستوياتهم ومن الإداريين والعمال الذين أنهوا خدماتهم في سلك التربية والتعليم.
وللتاريخ، فقد كانت هذه الجمعية سباقة في الإعلان عن ميلادها على المستوى الوطني. وجاء انبعاثها إلى الحياة، ولمعان نورها في منتصف شهر مارس 1996م. وأما باعثها إلى ساحة الوجود، والذي تحمّس لها كثيرا وجنّد معه من يساعده فهو المربّي الكبير الأستاذ بلقاسم جبايلي (1932ـ 2008م)، رحمه الله. وكان هو رئيسها الأول وربّان سفينتها في لحظة انطلاقتها. ولم يبخل في إفناء جهدٍ معتبر من سنوات بقية عمره لتثبيت أسسها وتوطيد دعائمها. وبعد أن وقع في قبضة الأمراض التي حاصرته، انسحب من رئاستها. وكانت آخر وصاياه التي حفظ عنه زملاؤه هو المحافظة على شعلتها متوهجة، ومنع انطفائها حتى تظل نبرة كلمة متقاعدي عمال التربية حاضرة.
لو كان المجتمع المدني في بلادنا على درجة كبيرة من الحيوية ونضج المدارك وصاحب صولة وجولة في حياتنا العامة لكانت جمعية متقاعدي عمال التربية لولاية باتنة والجمعيات المثيلة لها من بين أهم روافده التي لا يستغني عنها لتوفر عناصرها على سمة التجانس، ولامتلاكهم ثقافة مؤهِّلة، ولاستعدادهم الفطري والطوعي للانغماس في الحياة الاجتماعية في انسيابية وهدوء طالما أن المربي هو إنسانٌ اجتماعي عن فطرة وطبع.
تستند الجمعية إلى قانون داخلي صارم مؤلف من أربعين مادة صيغت بلغة إدارية متينة ودقيقة تنفلت من التأويل وتهرب من تعدد التفاسير. وتقضي مضامينها بتنظيم سير الجمعية، وتحديد المسؤوليات وضبط الهياكل وتقنين التعاملات، كما تنص المادة الأولى منه.
تنعقد في القاعة الكبرى لمقر الجمعية نشاطاتٌ ثقافية دورية مختلفة، وتقدم فيها محاضرات ونقاشات مستمرة وخاصة في مناسبات إحياء الأعياد الوطنية والأيام العالمية. وخلال شهر رمضان من كل سنة يزداد الحراك النشاطي، ويذهب في تناول مواضيع شتى دينية وتاريخية وتربوية وعلمية وصحية طبية وأدبية التي منها القراءات الشعرية. وأغلب منشطي هذه الوقفات هم من الأساتذة والمعلمين المنخرطين في الجمعية ونفر من المتطوعين الآخرين من خارجها.
تهتم الجمعية براحة منخرطيها من حيث الجوانب النفسية والاجتماعية والصحية. وتنظم لهم رحلاتٍ جماعية سياحية وخرجات ترفيهية خاصة إلى الحمامات المعدنية بين الحين والحين. وتوفر لهم فرص الاستجمام والاسترخاء التي تنسيهم أتعاب السنوات الطوال ومعاناتها، وتضمد الجروح الجسمية والمعنوية التي خلفتها رسالة التربية الشاقة في جسم ونفس كل واحد منهم.
تسعى جمعية متقاعدي عمال التربية لولاية باتنة إلى إقامة علاقات تواصل مع نظيراتها من الجمعيات التي تأسست من بعدها في ولايات أخرى، وتحافظ على خيوط الود معها بالتواصل والتنسيق والزيارات وتبادل الأفكار. وتصدر مجلة متواضعة دعتها: “صوت المتقاعد” تميل في مواضيعها إلى الإعلام والتثقيف. وإن لم يكن صدور هذه المجلة منتظما فذلك معزوٌّ إلى سبب شح وعسر الموارد المالية التي تغطي تكاليف طباعتها.
لم يكن تدرُّج السير في الشوط الأول الذي قطعته الجمعية من عمرها سهلا يسيرا، ولكن صبر وصمود رجالها الأوّلين مكّنها من قهر الصعوبات والسيطرة على الظروف المانعة. فطالما شكت، في البدء، من ضيق المقر الذي كان يجتمع فيه منخرطوها. وانفرجت هذه العقبة بالحصول على مقر أوسع وأنسب لصيق بالمدرسة الابتدائية الأمير عبد القادر المتواجدة في ممرات ابن بولعيد. ويتألف من بهو كبير ومكتبين وقاعة لتحضير المشروبات ومخزن صغير ودورة مياه. والفضل في الحصول عليه يعود إلى المربي عبد الكريم سعدي لمّا تسنم منصب رئيس بلدية باتنة. وبعد مساع حثيثة مبذولة مع السيد ملاخسو نور الدين رئيس بلدية باتنة السابق، جرى إدخال تصليحات جوهرية على فضائه، وجدد بلاط أرضيته وسقفه وأبوابه مع طلاء جدرانه. وما تزال ألسنة مرتاديه تلهج بعبارات الشكر والثناء على صاحب الفضل المذكور الذي عزّ عليه أن يمسك يديه على المربين الذين يدين لهم بتكوينه وتأديبه. ولما أشيعت أضواء البهاء والجمال في جوف المقر بأكمله، سال لعاب من طمع في السطو عليه.
أكبر ضربات الحيف والظلم التي نزلت على ظهر الجمعية بسياطٍ مبرومة من الحقد جاءتها من عددٍ من ذوي القربى، ويأتي في مقدِّمتهم مديرو التربية الذين مرّوا على ولاية باتنة. فقد أدار معظمُهم ظهورهم لها، وحرموها من المساعدة والسؤال عنها. بل هناك من سار منهم في ركب المنادين بإخراجها من المقر الذي حازته بطريقة مشروعة وبوثائق إدارية مختومة، لا يمكن الطعن فيها.
لا تتوقف الجمعية من إحياء وقفات التذكر، كلما سمحت الظروف، للمربين الراحلين الذين تركوا آثارا محمودة خلفهم، وخدموا المدرسة الوطنية، وأخلصوا في ترقية مردودها وتجويد مخرجاتها. ومن ذلك أنها أقامت في صبيحة يوم 25 مارس 2012م وقفة وفاء للمربي الراحل الأستاذ عبد الحميد مهري تحت شعار: “وقفة الحفاوة والإكبار مع المربي الراحل الأستاذ عبد الحميد مهري” حضرتها وفودٌ من مدن الجزائر العاصمة وقسنطينة والبليدة وخنشلة والمسيلة. ولما كانت هذه الجمعية تحارب الغفلة والنسيان والتناسي، فقد تذكرت الأستاذ بلقاسم جبايلي، وأقامت له منبرا خطابيا صباحيا في ذكرى رحيله التي صادفت يوم الثامن أوت 2018م. وكذلك فعلت مع مربين آخرين كعمّار زروال ومختار فيلالي والصغير بلقاسم وأستاذ الرياضيات السوري مصطفى حيدر الذي قضى عمره المهني كله في الجزائر، وغيرهم.
تقدِّس جمعية متقاعدي عمال التربية لولاية باتنة صفة العرفان، وتهيب برجالها ونسائها الذين خدموا المدرسة الوطنية بوفاء وإحسان، ولا تتنكر لعطاءاتهم المثمرة التي كونت أجيالا متلاحقة من أبناء الوطن، ولا تجحد دورهم في تغذيتهم من رضاب العلم الزُّلال، ولا تنفي جهادهم في تأهيلهم لخوض معترك الحياة متسلحين بالعلم الصحيح ومتوَّجين بالخُلق الكريم. وتعمل على تكريمهم تكريم المعترف الذي يحارب بخس أعمال المجتهدين. وكان آخر نشاط قامت به في هذا الباب هو تكريم المربي الفاضل الأستاذ والمدير علي عزوزي الذي كان من بين الأساتذة الأوائل في ثانوية الشهيد عباس لغرور في مطلع ستينيات القرن الماضي، وهي أول ثانوية معرَّبة في الولاية، وإليها يعود الفضل في تخريج أعداد من الإطارات في مختلف المجالات.
من حيث الجانب المادي، لا تجد الجمعية أي يد ممدودة لمساعدتها بالقدر الذي يمكِّنها من تنفيذ برامجها التي تسطّرها في بداية كل سنة في سهولة وراحة. وهي لا تصرف سوى من عائدات الاشتراكات السنوية لأعضائها.
إن أكبر ضربات الحيف والظلم التي نزلت على ظهر الجمعية بسياطٍ مبرومة من الحقد جاءتها من عددٍ من ذوي القربى، ويأتي في مقدِّمتهم مديرو التربية الذين مرّوا على ولاية باتنة. فقد أدار معظمُهم ظهورهم لها، وحرموها من المساعدة والسؤال عنها. بل هناك من سار منهم في ركب المنادين بإخراجها من المقر الذي حازته بطريقة مشروعة وبوثائق إدارية مختومة، لا يمكن الطعن فيها. وحين يُفتح باب الاستثناء الواضح في هذا الجانب، فإن الفائز الأول به هو المربي الأستاذ عيسى بوسام الذي جلس على كرسي مديرية التربية لولاية باتنة لفترة وجيزة لم تتجاوز موسما دراسيا واحدا. ورغم قصر هذه المدة، إلا أنه كان المُسانِد والمُعاضِد والمشجع للجمعية والغيور على سمعتها. ولم يكن يتأخر عن حضور نشاطاتها كلما وُجِّهت له الدعوة. واعتبارا لحسِّه التربوي، وصفاء تفكيره، ومستواه العلمي والأدبي، فقد عمل على حثّ متقاعدي عمال التربية في ولايات أخرى للحذو حذو زملائهم في ولاية باتنة، وحفزهم لتأسيس جمعيات مثيلة.
حرمت جائحة الكُفاد التي نشرها فيروس كورونا، منخرطي الجمعية من إحياء يوبيلها الفضي؛ أي انقضاء ربع قرن من تأسيسها، في جو جماعي بهيج. وكان المانع هو غلق باب مقرّها غلقا فرضه الإكراه الذي أوجبته التدابير الاحترازية وضرورات الوقاية الصحية العامة.
تتأهب جمعية متقاعدي عمال التربية لولاية باتنة الرائدة للدخول في طور ثان من عمرها الزكي بإرادة واثقة ونفَس قوي. وتطمح فيه إلى توسيع أهدافها التي تنشدها بعد أن تضع ثمار منجزاتها السابقة في كفة ميزان التقويم الشامل والموضوعي.