“رحلة الموت” إلى دمشق ..
كان دخولنا إلى سوريا عن طريق دعوة رسمية تلقيناها من قبل جهاز الحرس القومي العربي، وهو جهازٌ أمني تابع للفرقة الرابعة التي هي تحت قيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس بشار، كان تحديا كبيرا منا، فقد نُتهم بعدم الحيادية، لكنني كنت طلبت القيام بعمل ميداني حرّ مع المواطنين وهو ما نلت الموافقة عليه، غير أنني لم أكن مدركة أنني دخلت إلى عرين الأسد الذي قد يستيقظ غاضبا في أية لحظة.
موت الملاحة الجوية
وصلنا إلى مطار دمشق الدولي في حدود الساعة الرابعة صباحا، وكم دهشت عندما وصلنا إلى الأروقة المخصصة لختم الجوازات، فلا شرطي خلف مكتبه ولا أوراق خاصة بملء المعلومات، بقينا ننتظر لدقائق خلف طوابير، الغريب انه ولا مسافر تحدث او ابدى انزعاجا من الموضوع.. بعد دقائق سمعت صوت أشخاص قادمين من رواق ضيق، أخيرا إنهم شرطة المرور، جلس هؤلاء خلف المكاتب وبدأوا بالتدقيق في الجوازات.. ما لاحظته هو أن شرطة الجوازات يطرحون سؤالا واحدا وهو: هل سبب دخولكم إلى سوريا هو التجارة؟ ليرد أغلب المسافرين: نعم، فيتم ختم جوازهم، والتدقيق يكون بالنسبة لأصحاب الجوازات الداخلين لأول مرة، هنا يبدأ السين والجيم والتحويل إلى مكتب العقيد .
في الطابور الثالث مسافرون أيضا، لكن ربما من طبقة أخرى، كان أحد الضباط يأتي نحو عدد من المسافرين يتحدث معهم ويأخذهم ويختم لهم بسرعة، كانت أمامي سيدة جزائرية كنتُ تعرفت عليها وأنا في الطائرة، أخبرتني أنها تاجرة وأنها اعتادت على المجيء إلى سوريا، خاصة بعد الحرب، سألتني ونحن في الطابور إن كنت أملك نقودا من العملة السورية؟ فأجبتها بالنفي، لترد أنني لو كنت أملك لسهلت دخولي وختمي للجواز، وقبل أن تتم حديثها جاءها ضابط لاحظت انها تعرفه، أخذها للطابور الثالث وتحدث مع صديقه لتختم الجواز وتمر قبلنا، وصل دورنا، تقدمت باتجاه الضابط الذي سأل عن سبب دخولي، فعرّفت بنفسي وبزميلي المصوّر وهنا بدأ مسلسل عمل أجهزة المخابرات في سوريا.
حوّلنا الضابط بسرعة إلى مكتب العقيد الذي كان نائما، طلب منا الانتظار داخل احد المكاتب، رغم انني قدّمت الدعوة الرسمية لهم والتي تتبع للعميد ماهر الأسد، لكنني فوجئت أنهم رفضوا حتى الأخذ بها لكوني كنت بين يدي المخابرات الجوية. داخل مكتب الضابط يحوّل كل مسافر تحوم الشكوك حوله، لكن طبعا تبدأ عملية الوساطات، فمثلا كانت معنا مغربية متزوجة من سوري، منعها الضباط من الدخول رغم انها كانت تملك عقد الزواج، والحجة هي ان سفارة سوريا اغلقت في المغرب منذ زمن وأن العقد باطل، طلبت المغربية من احد الضباط القيام باتصال هاتفي وما هي الا دقائق حتى حضر مسئول من داخل المطار وبدأ في اكمال اجراءات خروجها، سألتها عن سر ما حدث؟ فسألتني: هل لديك نقود من العملة السورية؟ تبا، ليتني أحضرت معي نقودا من العملة السورية.
عقارب الساعة تشير إلى الخامسة صباحا ونحن ننتظر ان يتفضل علينا سيادة العقيد بأن يقوم من نومه ويدرس موضوع دخولنا، وبدأت الاتصالات والوساطات التي دامت ساعات، عند الثامنة صباحا استيقظ أخيرا هذا العقيد، ودخل مكتبه، طلب حضوري وبدأت الأسئلة.. استغربت فعلا، بل خيِّل لي أن نظام الأسد قد ولّى، فكيف لهذه الإدارة أن لا تعترف بدعوة من سيادة العميد؟ سألت العقيد ما الخطأ الذي ارتكبناه ليتم احتجازنا، خاصة وان دخول الجزائري إلى سوريا لا يشترط الفيزا؟ فرد ان هذا الإجراء لكوننا اعلاميين، الخطر الأكبر على البلد بالنسبة لهم.
عدنا مجددا إلى مكتب الضابط وكلما تغير أحدهم، أعاد علينا الثاني نفس الأسئلة، عند التاسعة دخلت ثلاث فتيات وبدأ أسلوب الممايعة في الحديث بينهن وبين الضباط مع موسيقي تسمع حتى من خارج الرواق ولا يحلو الجو من دون ان يضيف الضباط والفتيات سيجارة قد تلطف الجو أكثر، همس المصور في أذني قائلا: هل لدينا مثل هذه التصرفات في مطارنا الدولي؟ تبسمت وعجزت عن الرد حينها، سألني أحد الضباط عن راتبنا في الجزائر؟ فأجبته عن الأجر القاعدي، بقي مندهشا حتى أنه كلم باقي زملائه وطلب مني إعادة المبلغ بالدولار، ليرد علي أحدهم: “هل تعلمين كم أجرنا هنا يا اختي؟ نحن نتقاضى أقل من 70 دولارا، شهرياً نستأجر منها ونأكل ونداوي، ومنها نركب المواصلات أيضا”، دهشت لما سمعت، لأن هذا المبلغ لدينا لا يعيل شابا غير متزوج، فكيف له ان يعيل رب أسرة؟
وقبل ان تتشتت افكاري اكثر، تدخل ضابط آخر وقال: “نحن هنا منذ الحرب على سوريا معظمنا لا يذهب إلى بيته ويعمل 24 ساعة ولا يرتاح سوى 12 ساعة فقط، هي القوانين الجديدة للدولة، فعدد العمال قلص والعمل تضاعف والراتب قلّ، وبدل أن نعيش أزمة حرب نعيش الأزمتين معا، معظمنا قبل الحرب كان بمنزله، لكن للأسف خرج بعضنا منه مكرها للحفاظ على حياته وحياة أولاده، لم يعد في استطاعة السوري اليوم شراء منزل او حتى كراء آخر محترم”، حديث الضباط جعلني أتفهم ربما الجملة التي أعيدت على مسامعي كثيرا وهي: هل لديك مبلغ من العملة السورية؟
الخروج من المطار
بقينا داخل المطار أكثر من 10 ساعات ننتظر الفرج، في تلك المدة نزلت طائرة واحدة ربما قدمت من بيروت، موت الملاحة الجوية داخل أكبر مطار في سوريا يشعرك انك فعلا في بلد يعيش ازمة أمان وخوف من القدوم اليه، جلست قبالة إحدى النوافذ لتقابلني مدرعات عسكرية وسيارات مصفحة منتشرة في زوايا عدة من المطار، قد يظهر بعضها وقد توضع أخرى في أماكن يصعب تحديدها، أدركت حينها من كلام أحد الضباط أن المطار يعيش تشديدات أمنية هي الأكبر من نوعها خوفا من تقدّم المسلّحين الذين كثيرا ما كانوا قريبين من الطريق الذي يوصل اليه، بل ولم يخفِ عني احدهم عندما قال ان المسلحين كثيرا ما قطعوا وسيطروا على الطريق المؤدية إلى المطار، ما يعني سقوطه بين ايديهم في اية لحظة، خاصة وان هذا الأخير يعتبر الشريان الأساسي بالنسبة للنظام لوصول المساعدات والمقاتلين من ايران وروسيا وبعض الجهات الأخرى.
في تلك الأثناء، كلمني أحد الضبّاط وطلب مني التقدم نحو مكتب العقيد الذي أخبرني أن الفرج جاء، وانهم تلقوا اتصالا من أحد المسئولين يطلب فيه منهم تسهيل دخولي، أخذ الضابط صوراً من الجوازات قبل ان يختمها ويدعنا نمرّ، لكن وقبل ان ننهي الممر الأول داخل المطار، نادانا ضابط آخر من احد المكاتب وطلب جوازاتنا وطلب منا التوجه معه إلى مكتب عقيد ثان، اخبرته اننا ختمنا الجوازات وسويت وضعيتنا، لكنه رد عليّ انه يتبع لجهة امنية أخرى، وان قرار الدخول بيدها. في تلك الأثناء رآني الضابط الذي ختم لي وجاء مسرعا ليهمس في أذن زميله اسم من اتصل بإدارة المخابرات الجوية، عندها أخذ نفس الشخص نسخة ثانية عن جوازاتنا قبل ان يعيدها لنا مرة أخرى، عرفت في تلك الاثناء ان هذا البلد بسبب الحرب يعيش تداخلا في الصلاحيات، فلكل حاكمه ولكل سلطته داخل نفس القطاع.
الطريق إلى دمشق
خرجنا من مطار دمشق الدولي في طريقنا إلى قلب العاصمة، كان برفقتنا نضال وابو جولان.. هي اسماء لمقاتلين من الحرس القومي العربي طبعا ليست اسماءهم الحقيقية، فكثيرا ما يتمنّع هؤلاء عن الكشف عن هويتهم الحقيقية او حتي جنسيتهم رغم ان لكنتهم او لهجتهم كثيرا ما تكشف عنهم، في الطريق حاول هؤلاء ان يشرحوا لي سبب قدوم بعضهم من لبنان وايران والجزائر وتونس والعراق وغيرها من الدول للقتال مع إخوتهم في الجيش السوري، اخبرني نضال ان البعض يدفع من جيبه آلاف الدولارات للمرور عبر طرق عدة للوصول والدخول إلى سوريا لـ”الجهاد حتى الشهادة”، ايمانا منهم بقضية الدفاع عن “أم العروبة سوريا”، كان نضال من أصل فلسطيني، يرى من وجهة نظره ان سوريا اكثر الدول التي دافعت عن قضيته والتي احتضنت شعبه ودرست شبابه في الجامعات ولم تفرّق بينه وبين السوري.
ونفس الفكرة عند ابو جولان الذي كان شابا في العشرينات في عمره، يرى ان سقوط نظام بشار يعني سقوط صمام أمان العروبة، سألتهم إن كانوا يعرفون الراحل الزعيم هواري بومدين؟ وسألتهم أن كانوا يعرفون قومية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟ فرد عليّ أحدهم: “لكن الجزائر يا اختي حادت كثيرا علي القضايا العربية، بل لم تصبح اليوم قومية عربية ابدا”، فرددت عليه ان كان يعرف موقف الجزائر من الحرب على العراق وعلى ليبيا وسوريا اصلا؟ فوجدت ان الاثنين كانت قناعتهما متوقفة عند سوريا حافظ وابنه بشار فقط.
الطريق إلى العاصمة يبعد بنحو 20 كلم، وعلى جوانبها تشدّك صور الدمار والخراب، صور تدل على نشوب أكبر المعارك هنا، بل وعلى قصف الطيران المتكرر على نفس الأهداف، أخبرني أحد المرافقين أن هذا الدمار نتيجة المعارك التي تدور داخل كل البلدات القريبة من المطار والتي ينتشر بها المسلحون الذين يحاولون التقدم للسيطرة عليه، مثل الغوطة الشرقية وبلدة المليحة في ريف دمشق وبلدات ببيلا ويلدا وعقربا وبيت سحم وغيرها من المناطق القريبة من طريق المطار، وكثيرا ما زاد السائق من سرعته خوفا من صاروخ قادم او قناص او رماية عشوائية قد تصيبنا، لا حياة تنادي في تلك البلدات، بل لا منادي فيها الا الموت.
لكن بعد عشرين دقيقة من السير بسرعة بدأنا ندخل في نقاط تفتيش كثيرة، عرفت حينها انها مداخل العاصمة دمشق، ولحسن حظنا اننا كنا مع مرافقة أمنية ما سهل علينا المرور، ففي كل نقطة تفتيش توضع لافتة مكتوب عليها خط عسكري، يمر منه مرافقونا بعد ان يُظهِروا للعسكري بطاقتهم التابعة للحرس القومي العربي، يفتح العسكري الصندوق الخلفي للسيارة، يفتشه قليلا، ثم يطلب منا إكمال الطريق، عندما دخلت إلى قلب العاصمة دمشق لاحظت مدى الاختلاف الكبير بين الصورتين: الدمار الشامل والحياة الطبيعية، فالناس في كل مكان وحركة المرور والسير خانقة ربما تسبَّب فيها حسب مرافقينا النزوح الكبير والهائل للعائلات الهاربة من جحيم المعارك والقصف في بلداتها، جميع المحلات مفتوحة وحركة البيع والشراء بدت عادية جدا، وصلنا إلى الفندق في شارع الحمراء أرقى شوارع دمشق.
جولة في قلب العاصمة
في الصباح، أردت القيام بجولة ميدانية في قلب شوارع دمشق، عند الخروج من الفندق ناداني نضال، وهو منسق في جهاز الحرس القومي العربي، سألني عن وجهتي، وطلب مني الحذر لكوني اجنبية وكون الأجهزة الأمنية تدقق كثيرا على الأجانب، ورغم انني أخذت الموافقة الا انني اكتشفت انني كنت اصلا مراقبة من قبل اشخاص يتبعونني مثل ظلي، قصدت سوق الحميدية أكبر الأسواق واكثرها شعبية في سوريا، خاصة بالنسبة للتجار الجزائريين، الدخول اليه يتطلب تفتيشا دقيقا من قبل الأمن، وهو الإجراء الجديد المتخذ لكون السوق تعرض لأكثر من عملية تفجير، لاقى على اثرها العديد من الأشخاص حتفهم، السوق كبيرة ومكتظة بشكل يومي.
والغريب أن التجار يعرفون الأجنبي ويميزونه عن غيره، فتجد شبابا ينادونك لتدخل محلاتهم، بل ويلحّون لتقبل الدعوة والجملة المشهورة إن قلت لهم انك من الجزائر “نحن ايضا من هناك، نحن أحفاد الأمير عبد القادر”، تقريبا هي نفس الجملة التي يرددها كل تاجر، حتى انه خيل لي في الأخير ان كل أحفاد الأمير عبد القادر اصبحوا تجارا، تبسم احدهم وقال لي ان التجارة كسدت بعد الحرب، ما يجعل هؤلاء يلجأون إلى هذه الحيل لاستعطاف الأجانب وجلب اكبر عدد منهم، رغم ان الغلاء بات ميزة السوق، والأسعار صارت جد مرتفعة مقارنة بسوريا قبل الـ2011.
في سوق الصرافة
كان يوم عطلة، وكنا نرغب في صرافة مبلغ من المال، اكتشفنا ان كل المصارف مغلقة، سألت المرافق عن شخص او محل يقوم بالصرافة فغضب ورد ان الأمن السوري بعد الحرب يمنع منعا باتا اي شخص او محل من القيام بتبادل العمل الأجنبية او بيعها او حتي شرائها، ومن يفعل ذلك فإنه يُسجن وتُوجه له تهمة مساعدة الإرهاب او الخلايا النائمة الموجودة في العاصمة، عانيتُ الأمرين وأنا احاول صرف العملة، وبعد جهود حثيثة، تأكدت بعدها انني غير مراقبة، قصدت احد المحلات التي اخبرني فيها صاحبها انه من اصول جزائرية، أخبرته انني اريد الصرافة مقابل ان ابتاع منه شيئا، وافق الرجل على الفور وطلب مني المبلغ بالعملة الأجنبية، وان ابقى في المحل مع شقيقه.
وبعد خمس دقائق عاد ومعه المبلغ السوري، سألته إن كان يملك صرافة لشخص آخر، فقد كان معنا صديق من ليبيا احتاج للمال ايضا، فوافق على الفور، وذهب، ثم عاد بالمبلغ السوري، أخبرني شقيقه ان معظم التجار يشتغلون في الصرافة ايضا، لكن مع الأشخاص أصحاب الثقة، لكونهم يخافون من عناصر الأمن الذين قد يقتادونهم إلى مراكز الشرطة، وقد لا يعودون إلى اهلهم مجدداً: “التعامل بالعملة الأجنبية اليوم اصبح جريمة يعاقب عليها النظام عقابا شديدا، لأن العديد من الأجانب يأتون ويكونون جواسيس يدعمون الخلايا النائمة الموجودة اليوم في دمشق والتي عن طريق تلك المبالغ تتمكن من تمويل نفسها والقيام بعمليات انتحارية وتفجيرات ضد الأمن والمراكز الحساسة، لهذا اصبحنا جد حذرين في التعامل مع الأجانب”، كلام الرجل كان معقولا، لكنه صادم في نفس الوقت، فالنظام ورغم كل محاولاته في الحد من ظاهرة الصرافة عن طريق السوق السوداء، الا ان هذه الأخيرة موجودة، بل وبكثرة داخل سوق الحميدية، فأينما وليت وجهك تجد من قد يقدم لك خدماته على ان تكون محل ثقة فقط.
.. يُتبع