رحم الله شيخنا وألهم الجزائر صبرا
عرفناه في الجامعة؛ في رفوف مكتباتها وفي دروس ومحاضرات أساتذة تاريخ الجزائر اسم ارتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة وتاريخها؛ بالوطن والهوية. عرفناه من خلال مؤلفه الموسوعي “تاريخ الجزائر الثقافي” وتاريخ الحركة الوطنية وقضايا أخرى، عرفناه في مقالاته العديدة المتعددة يضيف دائما الجديد، عرفناه من خلال ترجماته وتراجمه، عبر تحقيقاته وتعليقاته على نصوص التراث الوطني.
كنا نظنه معنا في قسم التاريخ وحسب؛ ولكننا سرعان ما نكتشفه علما فذا من أعلام دروس زملائنا الطلاب في قسم الأدب؛ هناك نعرفه أديبا؛ قاصا وشاعرا وناقدا وصحفيا مصلحا مهتما بقضايا عصره. هناك نجيب عن تساؤلات كنا نطرحها في مطالعاتنا ومراجعاتنا حيث يمارس الرجل حضوره الفاعل وعطاءه المستمر، فنعرف أن للرجل حسا أدبيا وروحا مبدعة تحدوها همة وأصالة وثبات على الدين وعشق للوطن… وطن أدركه بحسه بفضل مسيرته العلمية الممتدة في الزمان والمكان، عبر عذابات الاغتراب وتربص الآخر وخيبة الأمل والمآل.. وطن لامسته مداركه وأفكاره.. وطن هاجر منه لأجله.. حمله معه بكل قيمه وملامحه؛ بكل جراحه مسربلا بالهم مسلوبا يفتش عن أناه. في زمن عد فيه التماهي إبداع وتجديد وفن متميز، والثبات وإثبات الذات رجعية مقيتة وتقوقع وفكر بالي.
من البدوع في قمار العالمة الزاهدة؛ من عمق صحراء الجزائر حيث البداوة والأصالة؛ خرج الفتى أبو القاسم سعد الله طالب علم، وفي صدره يحفظ كتاب الله وبعضا من الأدب والبلاغة. إلى تونس وجامعها وجامعتها الزيتونة؛ عتق طلاب الجزائر من سياسات السلخ والمسخ والاستلاب الحضاري الاستعماري. وفي تونس تلقى علوم الفقه والأدب والتاريخ، وفيها أبدع فنظم الشعر وجدد. ومن تونس إلى عاصمة وطنه المسلوب مدرسا في مدارس جمعية العلماء في أشهر الثورة الأولى. ومن غربته الغريبة في وطنه إلى مصر العروبة لاستكمال الدراسة في كلية دار العلوم في القاهرة؛ هناك تطفح المعارف وتمتزج الأشياء بشكل عجيب، فتتحد الأصالة والحداثة في طريق الثورة وسبل التحرير من قيود الإمبريالية الفاحشة. وتجتاح العروبة كل قلب حر. وتحل الجزائر في كل محل؛ في المسارح والنوادي والمجالس والمساجد وفي الجامعة والمعادي وعلى ضفتي النيل وفي الصعيد. وتمتزج بفكر فقيدنا وأدبه؛ شعره ونثره؛ ماضيه وحاضره، وتنتعش فيه كسعفة خضراء تأبى الذبول أملا في الزمن الأخضر، وفؤاده يمتلأ حبا وثورة، وشعاره دائما “النصر للجزائر”.
سخر سعد الله حياته للجزائر وهويتها، وحمل على كاهله التعريف بماضيها، مشرحا ذاكرتها الأدبية والثقافية. ولم تثنه ملهاة الحياة في منيسوتا في ستينات القرن الماضي على أن يكون علمه لوطنه، وكانت إرادته قوية ورغبته جامحة ليختص في البحث التاريخي لأجل الجزائر وهويتها؛ حراكها الوطني وإرثها الثقافي؛ أرخ وجمع وحقق وعلق وقدم، درس في أمريكا وعاد إلى وطنه الجزائر لما دعت الحاجة إليه مؤسسا ومدرسا في جامعاتها، ومحاضرا في ندواتها و ملتقياتها الأدبية والتاريخية، منتقلا بين المحافل العلمية العربية والعالمية منافحا عن كيان وطنه وتجذر انتمائه وعروبة فؤاده ولسانه. عاد رغم مصاعب العلم والتعلم في بلاد لم تندمل جراحها بعد. عرف مكانه الذي خلق له بحكمته وهدوئه، وعرف الرهانات وتبصر بالنتائج.
عض سعد الله على دينه بالنواجذ واستمسك بمبادئه، وتعلم وناضل، وهاجر لأجلها شابا ثم كهلا فشيخا، وثبت فلم يخن ولم يهن ولم يحن إلى منصب أو جاه، ولم يغوه الغاوون ولا غرته دنيا ولا ورطه الغارقون في وحل السياسة. عبر عن مواقفه من الأشياء بصراحة وأدب وشجاعة وحكمة تقتضيها المراحل ويتطلبها المقام. فكتب ما يعتقد وجهر بصوته في وقت صمت فيه الآخرون، أخلص في علمه وتلقينه، وصدق في أفعاله وأقواله وعلاقاته.. فقدناه رحمه الله ولم نعرف عنه إلا القليل، وكلما عرفنا علمنا أننا نجهل عنه أكثر. لم يترك ما تعج به المكتبات من تآليف في التاريخ والأدب وتاريخه فحسب، ولا أجيالا من النخب التي يعتريها إيمان بالانتماء إليه فقط. بل ترك سعد الله علما وفكرا وأدبا سيكون محل تحقيق ودرسا في سالف الزمن، ووطنا يحفظ جميله فيحفظه قيمة عليا ورمز هوية وتراثا خالدا… رحم الله الفقيد وأسكنه دارا خيرا من داره، وألهم الجزائر ونخبها الصبر والسلوان.
(*) أستاذ التاريخ بجامعة عنابة