ردّا على مقال : هل المعارضة صنعة الإسلاميين؟
تمنّينا لو أن صاحب المقال المذكور الأخ عبد الرحمان سعيدي (الشروق 10/7/23) كان أكثر ابتعادا عن المناطق الرمادية في الإجابة المقترحة عما طرحه من تساؤلات يدور معظمها في أذهان الناس منذ تشكل ما أصبح يعرف بالإسلام السياسي وبروز إشكالاته الفكرية والسياسية المختلفة .
- وقد تتعمق هذه الملاحظة، وتصبح أكثر مغزى عندما ندرك أن معظم الإجابات التي يقترحها الإسلاميون، المعنيون بالتنظير، تحتفظ بقدر كبير من التأويل التجريدي الذي يزيد من هلاميتها، ويجعلها مثقلة بما يبدو مخالفا للحقيقة، أو مشحونا بالأوهام والمغالطات.
- ويعود السبب في تقديرنا إلى نقص الباحثين المتخصصين، وما يعني ذلك من نقص في مراكز الأبحاث والدراسات، كوعاء معرفي للتنظير والتقعيد والتقنين، واعتماد الإسلاميين في مثل هذا السياق، على الاجتهاد الفردي، والتحليل الانطباعي، والرأي الساذج، والنظر البسيط، الذي غالبا ما يكون على طريقة قارئات الفنجان .
- وهي ذات الملاحظة التي سجلها المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه ” وجهة العالم الإسلامي ” عندما تحدث عن تجربة جماعة الإخوان المسلمين، وافتقارها لما أسماه الفكر الغني، منهجية وتنظيمها وتخطيطا .
- هل يقبل الإسلاميون بالمعارضة؟
- ومع أننا لم نفهم من خلال المقال المذكور، هل الإسلاميون معارضون بطبعهم، أم أن المعارضة جزءاً من هواياتهم السياسية المؤقتة للوصول إلى السلطة، إلا أن السؤال الذي يقلق ذهن الباحثين، ومازال يؤرّق الأنظمة والدول والحكام هو: هل سيقبل الإسلاميون بالمعارضة حال وصولهم إلى السلطة، وانتقالهم من المعارضة إلى الحكم؟
- وينطلقون في تقرير شرعية هذا السؤال، وشرعية الخوف من أن تكون الإجابة بالسلب، من مثالين اثنين :
- 1ـ يتعلق الأول بالحالة الشيعية التي وصلت إلى الدولة بعد نجاح ثورة 1979، والتي تؤكد أنها تعاملت ومازالت تتعامل مع المعارضة الداخلية بفظاظة وعنف، ويذكرون مثال العلامة منتظري رمز المعارضة الإسلامية، ونائب المرشد الأعلى الإمام الخميني، والمرشح لخلافته، الذي خالف السلطة الحاكمة بعد أن كان أحد أهم رموزها ومنظريها وأقصي بطريقة دراماتيكية، كما ذكر في مذكراته قبل وفاته .
- 2 ـ أما المثال الثاني، فهو ما قاله الإمام حسن البنا في رسالته إلى المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، ودعوته إلى حلّ الأحزاب، وتجميع الناس في حزب واحد “ولا مناص بعد الآن من أن تحلّ هذه الأحزاب جميعا، وتجمع قوى الأمة في حزب واحد”.
- ومع أن هذا القول في سياقة التاريخي لا يعبّر عن خيار مبدئي، إلا أنه مازال لدى المتخوفين، دليلاً على إقصائية الإسلاميين، ورفضهم للمعارضة والتعددية والاختلاف .
- وإذا أضفنا إلى هذين المثالين، الحالة السودانية والحالة الأفغانية في عهد طالبان، فإنه سيكون من الصعب جدا إقناع الناس بأن الإسلاميين غير إقصائيين، رغم النوايا الطيّبة التي يبديها بعضهم، أو إعلانهم القبول بالتعدد والمعارضة .
- تجربة خاصة
- ولعلّ تجربتنا الطويلة مع الإسلاميين بمختلف فصائلهم الدعوية والسياسية، وقربنا من محيطهم الداخلي واطلاعنا على ظروف نشأتهم وتطوّرهم، تجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنهم جزء من طبيعة تكوين العقل المسلم، الذي غالبا ما يشكل وعيه، الفكر الأحادي على النسق الذي يعتبر المعارضة خروجا عن الإجماع والجماعة، أو خيانة للأمة وثوابتها .
- ولعل الزّعم بامتلاك الحق المطلق أو الحقيقة المحضة، هو أحد أهمّ أسباب هذه النزعة الأحادية الاستبدادية، حتى وإن بدت منمّقة بثوب قشيب من المعاني الفقهية والفكرية .
- قصتي مع الشيخ الغزالي
- كدت أصاب بخيبة أمل كبيرة، عندما قال لي الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ ونحن في الطريق إلى وادي سوف للمشاركة في الملتقى الإسلامي، “لو تقام الدولة الإسلامية المنشودة في عصرنا سأكون أول ضحاياها”.
- سمعت هذا الكلام في وقته على مضض، لكنني أدركت بعد ربع قرن من التجربة والمعاينة والاحتكاك، أن هذا الرجل الكبير، كان على حق، وأصبحت أكثر تأكدا من صدقية كلامه وعمقه، بعد أن ذبح صديقي الشيخ محمد بوسليماني ـ رحمه الله ـ لا لذنب، إلا لأنه كان معارضا لأساليب من أراد إقامة الدولة الإسلامية على جماجم المسلمين .
- وهل يريد الشيخ عبد الرحمان سعيدي أن نصدق بعد هذا أن الإسلاميين، وإن رفعوا شعار السلم والمشاركة، هم فراشات ربيعية خارجة من الجنة، تنشر الألوان الجميلة، ولا تؤذي من يعترض طريقها؟
- إن أمام الإسلاميين عموما، وأمام حركة مجتمع السلم تحديدا، التي يرأس الأخ سعيدي مجلس شوراها الوطني، إمتحانا صعبا في هذا الموضوع، لعل أول خطوات النجاح فيه، أن تثبت الحركة داخليا أنها بصحة وعافية، وأن عدد المقصيين فيها بسبب آرائهم المخالفة، لا يساوي ضعف عدد الطبّالين والمصفّقين .
- وواضح من هذا المعنى، أننا لا نتحدث عن القبول بمعارضة لويزة حنون في دولة أبوجرة عندما يصل إلى السلطة سنة 2012، إنما نتحدث عن المعارضة داخل الحركة قبل الوصول إلى السلطة والقبول بمعارضة الآخر الذي نختلف معه فكريا وسياسيا وإيديولوجيا ربما.
- فهل يجرؤ شيوخ الحركة على دعوة معارضيهم إلى مجلس الشورى، ليعبّروا عن آرائهم المخالفة بكل حرية، ومن دون خوف من إقصاء أو تهميش؟
- أم أن الحركة رغم بُعدها الجغرافي عن أمّ الدنيا، مازالت تشبه جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتعيد إنتاج صور استبدادها وتخلفها القيادي، الذي أفضى على إثر انتخابات مكتب الإرشاد والمرشد العام، إلى إقصاء رموز المعارضة الإصلاحية وعلى رأسهم د. محمد حبيب نائب المرشد العام ود . عبد المنعم أبو الفتوح؟
- تفاصيل المشهد الحركي مقلقة والتشكيك في نوايا الإسلاميين يزداد شرعية يوما بعد يوم، ولا علاج مثل الزمن .