-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالة إلى زميلتي في الدراسة السيدة لويزة حنون

الشروق أونلاين
  • 2380
  • 0
رسالة إلى زميلتي في الدراسة السيدة لويزة حنون
ح.م

إحداثيات ومعالم الرسالة: المكان: جامعة عنابة الواقعة بالقرب من مصنع الحجار ببلدية سيدي عمار الخصبة والجميلة. الزمان: سنوات 1977-1981م، سنوات الثورات الثلاث: الزراعية، الصناعية، الثقافية، وخطب الرئيس الراحل هواري بومدين الرنانة، والحملات التطوعية في القرى الاشتراكية النموذجية، وتجنيد المناضلين الشيوعيين، وإضراب تعريب الإدارة الجزائرية 1979م والربيع الأمازيغي 1980م، والصراع الجامعي بين الطلاب الإسلاميين واليساريين.

الأبطال والمشرفون: وزير التعليم العالي عبد الحق برارحي اليساري الفرنكوفوني، قادة علاب العميد المكلف بالنيابة، ثم عبد الحميد أبركان اليساريين الفرنكوفونيين، ثم المحافظ الوطني للحزب السعيد بوحجة (رئيس المجلس الشعبي الوطني المعزول) بمقر حزب جبهة التحرير الوطني بالقرب من سوق الحطاب، والمنظمات الطلابية اليسارية (CVU. CCU. CNE) المنضوية تحت ظل حزب جبهة التحرير الوطني ولاسيما بعد طلب الرئيس الراحل هواري بومدين من اليساريين الانضمام إلى الدولة وإدارة المناصب الحساسة فيها. والغرفة الزجاجية داخل المطعم الجامعي والموسيقى الصاخبة الاستفزازية والحفلات والسهرات الماجنة التي كانت تقام نهاية كل أسبوع لتفسيق الطلبة والطالبات. بقية الأبطال من المناضلين اليساريين –لا داعي لذكر أسمائهم فغالبيتهم تابوا إلى الله- الذين تابوا الآن ورجعوا إلى دين الإسلام وحظيرة الوطن، وشرحوا كيفيات الانتماء للنظام اليساري وخلاياه العنقودية السرية التي تبدأ بالطقوس الشيوعية الإلحادية بالتبوُّل على القرآن الكريم في مشهدٍ حزبي يساري وممارسة الزنا وشرب الخمر علانية، وعدم الاعتناء بالهندام، واتخاذ طاقية (قبَّعة) لينين كرمزية ثورية أو الكوفية الفلسطينية أو ملحفة الصحراويين البوليزاريو الخضراء.. ومعاداة القيم والعادات والتقاليد والاستهزاء بالإسلام والمسلمين..

سبب توجيه الرسالة:

عندما وصل الصراع إلى منتهاه يوم 19/05/1981م وقررت السلطة السياسية والحزبية التخلص من التيار الإسلامي بجامعة عنابة أغرت التيار اليساري -الذي كانت تدعمه بكل الوسائل- بأن يحتفل لوحده بمناسبة يوم الطالب بحضور السلطات المحلية المدنية والعسكرية، ولما احتجَّ بقية الطلاب ومن بينهم التيار الإسلامي الصاعد يومها على انفراد اليساريين بهذا اليوم الذي هو ملكٌ للشعب الجزائري كله، وحصل الصدام الدموي بين الطلاب، وسيق على إثره الطلبة إلى السجن، وكان من بينهم الطالب أحمد عيساوي الذي حمل في السجن رقم (2019) وصار سجينا ووُضع في زنزانة معتمة مدة خمسة وأربعين يوما، وبمجرّد دخوله الزنزانة استلقى على أرضيتها الباردة وبدأ شريط الذكريات يمرُّ أمام ناظريه، فتفكر تلك الأيام وغيرها، حتى طفولته البعيدة، وراجع نفسه، فالسجن فرصة للمراجعة والتوبة والاستغفار والرجوع عن الذنوب.. فهي فرصة فريدة قلَّما تتوفر في عالم الحقيقة، لأننا صرنا في عالم الروايات.

وبعد أن خرج الطالب أحمد عيساوي من السجن بعد سنةٍ ونصف سنة من القهر، حاول الاندماج في المجتمع وتجرّع إذلال النظام وقهره ومطارداته، آذن الله بالتغيير، واليوم تدور الدوائر ويعود رجال نوفمبر من تلامذة مصطفى بن بولعيد والحاج لخضر.. لينقلب السحر على السحرة والساحر، ولكنها فرصة جيدة ومناسبة للاعتراف وتكفير الذنوب..

سير الأحداث وتعرُّفي على لويزة حنون:

بعد أن نلت شهادة البكالورية شهر جوان سنة 1977م وُجِّهت للدراسة في جامعة عنابة وكان فيها ثلاثة تخصصات أدبية معربة هي: (علم الاجتماع، القانون، الأدب العربي)، ويسيطر يومها على قسم علم الاجتماع والأدب العلمانيون واليساريون، وهناك عشعش التيار اليساري، فضلا عن وجود معهد الدراسات الميكانيكية الذي تديره الإطارات الروسية من الاتحاد السوفياتي سابقا، والذي كان يُشكل الخلفية والتأطير اليساري لرفاق لويزة حنون.
وذات يوم من صباح سنة 1978م وبعد أن أنهينا الحصة الأولى على العاشرة إلاّ ربعا خرجنا للراحة كي نستأنف المحاضرة الموالية، وإذا بنا نرى شيخا مهيبا يلبس الزي التقليدي الجزائري ويضع عمامة جزائرية بيضاء على رأسه ويحمل عصا (عكازة) بيده، ثم نراه ينهال على إحدى الطالبات بالضرب المبرح من عصاه التقليدية، وهو يسبُّ ويلعن ويصرخ، فهببنا لإنقاذ تلك الفتاة، التي كانت لويزة حنون، وعرفنا من خلال ما تفوَّه به الشيخ أنه والدُها وأنها لم تعُد إلى البيت طيلة فصل الصيف، ولذا فهو يريد إرجاعها للبيت وتربيتها، ولكن هيهات هيهات فالفتاة الحسناء لويزة التي كانت تلبس سروال الجينز والتريكو الضيق انفلتت من عقال القيم والتقاليد وصارتْ منتمية إلى الحزب الشيوعي اليساري، ولم تعد تؤمن بهذه التعاليم والقيم والعادات والتقاليد، بل صارتْ تعاديها وتحاربها وتسخر منها.. ومنذ ذلك اليوم تعرَّفتُ على الطالبة لويزة حنون.

وتتابعت الأحداث في جامعة عنابة، وكانت لويزة رفقة مجموعة من الرفاق –حسب التعبير الشيوعي- الفتيات والفتيان يتنقلون معا في أنحاء الجامعة، ويسافرون معا ويخرجون معا في الحملات التطوُّعية، ويقيمون الحفلات الغنائية الصاخبة الأسبوعية في المطعم الجامعي الذي كان يديره المدير (عكي) يرحمه الله. وبدأ التنافس بين التيار الوطني واليساري أيهما يحوز على توجيه المشهد الطلابي، وبدأ ذلك يوم أن اتجهنا صوب مدير الإقامة الجامعية كي يمنحنا غرفا زائدة لأداء الصلاة، فقد كان قبو جناح (ف) به مجموعة من الغرف، واحدة للصلاة، والثانية لنزع الألبسة الرياضية، والثالثة للأدوات الرياضية، والرابعة للموسيقى وهكذا.. وكانت الفتيات اللائي يُردن ممارسة الرياضة ولا يجدن مكانا يخلعن فيه ثيابهن إلاّ الذهاب إلى غرفة الصلاة، وقرر مدير الإقامة منحنا بعض الغرف؛ الغرفة تلو الغرفة، وهنا تأجَّج الصراع بين التيارين الإسلامي واليساري، وأحس التيارُ اليساري يومها أن عدد الطلبة المتدينين بدأ ينمو على حساب الطلبة اليساريين، وبدأت المنافسة بينهما أيهما يستحوذ على الطلبة، وتجلى ذلك مطلع السنة الجامعية حين يأتي الطلبة الجدد، حيث يتفنَّن التياران في التكفل بهم وحلِّ كل مشكلاتهم، وسرعان ما يتحول الطالب أو الطالبة من اليساريين نحو الطلبة الإسلاميين، إلى أن جاء إضراب التعريب شهري نوفمبر وديسمبر 1979م وجانفي 1980م، ووقف التيار القومي الوطني العروبي يطالب بتعريب الإدارة الجزائرية وقام بالحملات التطوعية لمؤازرة تعريب الإدارة الجزائرية، في الوقت الذي وقف فيه التيارُ اليساري على الحياد بل على النقيض من ذلك نظرا لارتباطاته بالقوى الخارجية (الحزب الشيوعي الفرنسي والروسي)، واعتبر اللغة “شكلاً من أشكال العنصرية والتعصُّب والانغلاق” ولاسيما اللغة العربية، وانتهت أزمة التعريب يومها بتبني الدولة الجزائرية لخط تعريب الإدارة الجزائرية، وخرج التيارُ اليساري والفرنكوفوني مهزوما منها.

ثم أخذ الصراع أشكالا أخرى ولاسيما في أشغال الندوة الوطنية الأولى للتعليم العالي وأحقية من يمثل الطلبة، أهُم اليساريون أم التيار الإسلامي؟ ثم أخذ الصراع طريقا آخر ولاسيما عند تنظيم معارض الكتاب الإسلامي واستقدام الشخصيات العلمية والدينية المعروفة لإقامة المحاضرات والدروس وصارت الاحتفالات والمهرجانات تأخذ طابعها الوطني والإسلامي، وتنامى يومها التيار الإسلامي على حساب التيار اليساري، ولا سيما في تلك المناسبة العظيمة عندما أسَّس الطلبة المسجد الجامع يوم 19/05/1980م وهو أكبر مسجدٍ بُني بسواعد جزائرية وطلابية، وهناك أيقن التيارُ اليساري أنه بدأ يتراجع، ولا بد من إثارة الفوضى والاجتياح الثوري بمساعدة السلطات المحلية السياسية والحزبية، وقرر التيار الإسلامي وضع حد لهيمنة التيار اليساري على المنظمات الطلابية، واقتحم معاقل اليسار ولاسيما الغرفة الزجاجية الموجودة في المطعم، والتي كانت المنطلق والخليَّة الكبرى التي تتحرك منها لويزة ورفاقُها المناضلون، ووجدنا يومها المناشير واللوائح والمراسلات والوثائق والمجلات والنشريات السرية الموقعة من طرف الحزبي الراحل الهاشمي الشريف رئيس حزب الطليعة الاشتراكية، ومن طرف الصادق هجرس (مازال حيا يعيش في فرنسا) وهو مزيجٌ بين الحزب الشيوعي والبربري.. وانتهى أمر المقرَّات، وصار رفاق لويزة كالأيتام، لا مأوى يلجؤون إليه لتفسيق الطلاب والطالبات، حتى بيَّـتوا أمرا مع المحافظ الوطني لحزب جبهة التحرير الوطني لاستعادة مقرّاتهم، واختاروا لذلك يوم 19/05/1981م، واستقدموا معهم أراذل ومجرمي عنابة، ولكن شباب وفتية التيار الإسلامي طردوهم شرَّ طردة، الأمر الذي دفع العميد عبد الحميد أبركان إلى الاستعانة بقوى قمع المظاهرات، وكان اليوم المشهود الذي أفضى بنا إلى السجن بمباركة السلطات المحلية، وبعدها بعقدٍ من الزمن نرى في عهد التعددية لويزة حنون تؤسس حزب العمال وتناضل في الظاهر، وتتآمر مع النظام ضد الشعب باسم المعارضة، وهي في الحقيقة كانت وجها بشعا وخفيا لقوى الشرّ الفرنكوفونية والشيوعية للنظام.. والقصة تعرفونها بعد التعددية الحزبية من دستور 23/02/1989م إلى اليوم.

الحاجة إلى المراجعة:

لم أقدِّم تلك المعلومات عن سير الأحداث إلاّ ليتعرف القارئ الكريم على ما كان يصنعه النظام، فغالبية أعضاء البرلمان والكثير من الوزراء والكتَّاب العامِّين والمديرين.. الذين عرفناهم ودرسوا معنا أو في مرحلتنا، في الإدارة الجزائرية إنما كانت أجهزة النظام تعِدُّهم للمستقبل الذي ستفسد فيه وبه البلاد، وهو ما حصل طيلة العقود الأربعة الماضية.

هذه رسالة تأتي بعد أكثر من أربعة عقود أدعو فيها زعيمة حزب العمال أن تعود إلى حضن الوطن، لأن من كان بيته من الزجاج فلا يقذف الناس بالحجارة، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!