الرأي

رغم الجراح والآلام.. غزّة ستظلّ غُرّة

سلطان بركاني
  • 824
  • 0

“هذا يوم قاس علينا جميعا.. أمامنا أيام قاسية أخرى، وعشنا أوقاتا عصيبة في الأربع والعشرين ساعة الماضية”.. هذا ما قاله رئيس وزراء الكيان الصهيونيّ، بعد مرور يوم واحد من انطلاق عملية “طوفان الأقصى” التي شنّتها كتائب القسّام، الذراع العسكري لحركة حماس الفلسطينية، على الحزام المحتلّ المتاخم لقطاع غزة.. أمّا النّاطق باسم الجيش الإسرائيلي، فقال: “إسرائيل تعيش يوما صعبا تحصي فيه قتلاها وجرحاها، ونحاول استيعاب الوضع”.

هكذا كانت البداية، وهكذا أبت ألسنة اليهود المحتلين إلا أن تبوح بشيء من الرعب الذي ملأ قلوبهم ونفوسهم، مصدّقة قول الحقّ سبحانه في محكم تنزيله: ((لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُون)) (الحشر: 13- 14).

ها هم الصهاينة يستنصرون أمريكا ويستنجدون بدول الغرب، وها هي أمريكا ترسل حاملة طائراتها لنجدة الصهاينة، من جماعة عُدّتها المادية لا تقارن أبدا بما يملكه المحتلّون الغاصبون.. ولكنّه سلاح الإيمان الذي جرّأ المؤمنين وجعلهم يزأرون كالأسود، وجعل الصهاينة يلجؤون إلى سياسة الأرض المحروقة والضرب من بعيد ((من وراء جدر)) للانتقام لكبريائهم الذين داسه أسود القسّام تحت الأقدام ومرّغوه بالتراب.

الصهاينة لا يعلمون أنّ حرّةً واحدة من حرائر غزّة يمكن أن تعطي الاحتلال بحدّه وحديده وجنده درسا في الصّمود والثّبات.. وها هي -مثلا- والدة المجـاهد الشــهيد أحمد خــالد أبو دقــة تسْطرها بلسان فصيح وهامة تناطح نجوم السّماء فتقول: “ولدي مات مجاهدا مقبلا غير مدبر، ولله الحمد.. الله أكبر ولله الحمد، أقسم بالله أنّ قلبي لا شيء فيه ولا أسى، لأنّه شهيد في سبيل الله، لأنّه كان يرى الحرائر تدوسها الكلاب (تقصد المرابطات حوالي الأقصى).. حسبي الله فيهم وفيمن والاهم وأيّدهم وتآمر وخطّط معهم”، ثمّ تدعو دعاء امرأة عالمةٍ للمجاهدين في القطاع بأن ينصرهم الله ويثبّت أقدامهم.

نتنياهو لا يعلم أنّ سكّان القطاع عن بكرة أبيهم على قلب رجل واحد خلف كتائب القسّام، يرجون إحدى الحسنين: إمّا النّصر والعيش في عزّة، أو الشّهادة.. هذه الدّنيا التي يحرص عليها الصهاينة ((وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلون)) (البقرة: 96)؛ لا تساوي شيئا في أعين سكّان القطاع، وهم يحملون عقيدة بأنّ الله اصطفاهم ليكونوا في أرض الرباط والجهاد، وصغيرهم قبل كبيرهم يحفظ حديث النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “إنّ أفضل جهادكم الرّباط، وإنّ أفضل رباطكم عسقلان” (رواه الطبراني).

جنّ جنون رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وهو يرى أبطال القسّام يدخلون المعركة في كلّ مرّة بأسلحة جديدة يُصنع غالبها محليا، وبتكتيكات جديدة لا قِبل للعدوّ بها، فراح (أي نتنياهو) يطلق التهديدات من خلف الشاشات بأنّه سيحوّل القطاع إلى جزر خربة، وراح ينصح سكّان القطاع بالفرار إلى مصر، قبل أن يقصف بيوت العزّل ويحوّل أحياء كاملة إلى ركام!

وفي أوج الغطرسة تنطلق صواريخ القسّام من أرض الإباء لتمطر عسقلان وسديروت، فتدوي صافرات الرعب والإنذار، ويختبئ جنود الاحتلال كالجرذان.. مهما كانت الجراح والآلام، ومهما أحصى سكان القطاع من شهداء، فإنّ ما يعيشه الصهاينة المحتلّون من رعب أشدّ وأنكى: ((إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)) (النّساء: 104).. ها هم 55 ألف مستوطن صهيونيّ في غلاف غزّة يفرّون لا يلوون على شيء، ومن بقي منهم سيعيشون الرّعب القاتل، خاصّة وهم يرون جيشهم الذي تصوّره لهم وسائل الإعلام على أنّه الجيش الذي لا يقهر، يظهر على حقيقته نمرا من ورق، يؤسر جنوده ويقتل قادة وحداته وقادة ألويته، ويرون الدّفاعات التي سميت بالقبة الحديدية وقيل لهم إنّها لا تسمح بمرور أيّ صاروخ، يرونها تصاب بالحول، وتعجز عن صدّ عشرات الصواريخ التي دكّت بيوت الذين ظلموا، ويقرؤون في وسائل الإعلام أنّ ضحاياهم تعدّوا 1200 هالك.

رغم ما تتعرّض له غزّة من إبادة تستهدف المدنيين، ولا تستثني المستشفيات ولا الجامعات، ورغم مئات الشهداء الذين ارتقوا، ورغم آلاف الجرحى والمشرّدين، ستظلّ غزّة غرّة في جبين الأمّة وشامة في جبين تاريخها.. وسيظلّ عزّها وصمودها قصّة ملهمة تروى للأجيال، كما تروى بطولات الفاتحين الأوائل.

غزّة تقدّم دماءها لتحيي أمّة حيكت لها كلّ المؤامرات لتنام نومة عميقة وتعيش دنياها بهمّ واحد هو لقمة العيش.. غزّة حرّكت ضمير الأمّة وأحيت قلوب شبابها وأسالت مدامع شيوخها ونسائها، وها هم المسلمون جميعا -إلا من شذّ- تضبط بوصلتهم نحو غزّة ويطالبون حكومات الدول الإسلامية بالتحرّك لنصرة غزّة.

غزّة ستظلّ في كلّ هبّة من هبّاتها وزأرة من زأراتها تكشف الدّخن الذي يتخلّل الأمّة في أوساط بعض المنتسبين إليها من المخذّلين والمثبّطين الذين يلومون من احتلّت أرضه وديست مقدّساته على المقاومة، ((الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا))، ليأتي الجواب بلسان حال غزّة: ((قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين)).. ((قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)).. بميزان الدنيا الفانية: أهل غزّة يموتون، ولكن بميزان الحياة الحقيقية، فأهل غزّة أحياء، والراضون بالدنية هم الأموات.

إنّه لمن العار أن ينطق مسلم بلوم إخوانه المرابطين في غزّة على ما يسمّى “استفزازا للعدوّ الصهيونيّ”.. وكأن هذا العدوّ رابض في أرض هي أرضه ولا يؤذي أحدا!!! والمصيبة الأكبر أن تجد بين من تلفظ ألسنتهم هذا الكلام محسوبين على العلم! والعلم منهم براء.. ألا يعلم هؤلاء وأولئك أنّ جميع الشرائع السماوية وجميع النظم الأرضية تقرّ الحقّ في الدّفاع عن الأرض والمال والعرض؟ هل ينسى هؤلاء أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- قال: “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد”؟

مقاومة الاحتلال لا تحتاج إلى ذريعة أو مبرّر، فوجود المحتلّ وحده سبب كاف لمقاومته وجهاده حتى يخرج من الأرض المحتلة، كيف وهذا الاحتلال يحرّض مستوطنيه على اقتحام الأقصى وتدنيسه، وينكّل بحرائر المسلمين المرابطات حوالي المسجد المبارك؟ كيف وهو قد قتل المئات من المسلمين في الضفة الغربية خلال العامين الأخيرين فقط؟ كيف وهو يحاصر غزة ويخنقها ويمنع سكانها من ضروريات الحياة؟ عجيب أمر من يخذل المظلوم، فإذا انتفض المقهور للدّفاع عن نفسه، لامه الخاذل وثبّطه وكان في صفّ عدوّه! أحبار اليهود يستنفرون الجموع ويشحذون همم جنودهم المسكونين بالرعب، لأجل القتال المقدّس، بينما بعض علماء المسلمين وعامّتهم يردّدون ما كان يردّده المنافقون في عهد النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم!

الرئيس الأمريكي بايدن يتعهّد بحماية الكيان الصهيونيّ.. بينما بعض دول المسلمين تواصل تطبيعها مع العدوّ المحتلّ، ولا تزيد على أن تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس، وإلى تطبيق قرارات الشرعية الدولية.. فأيّ خزي هذا الذي وصلت إليه بعض دول المسلمين؟! ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)) (الأنفال: 73).

لقد كشفت أحداث غزّة مرّة أخرى أنّ علما زائفا يروّج في أوساط شبابنا على أنّه علم شرعيّ ينطلق من الكتاب والسنّة ومنهج سلف الأمّة، لا يعرف من التوحيد إلا ما يتعلّق بشرك القبور! ولا من السنّة إلا ما يتعلّق بطاعة ولاة الأمور! علم لا شغل لطلبته إلا إثارة الخلاف في مسائل الفقه ومحاكمة العلماء والدّعاة والمصلحين لا يصحّ إطالة النفس فيها في زمن العزّ والسؤدد، كيف في زمن الضّعف والهوان!

إنكار شرك القبور واجب، وهو جزء من التوحيد، لكنّ التوحيد يشمل أيضا عقيدة الولاء والبراء؛ موالاة المسلمين ونصرتهم ومعاداة الكافرين المعتدين وحربهم، ويشمل قول كلمة الحقّ والخوف من الله وحده.. طاعة ولاة الأمور واجبة في طاعة الله، لكنّه لا طاعة لهم إن هم عصوا الله وحاربوا أولياءه ووالوا أعداءه.

غزّة تعلّم الأمّة مرّة تلو الأخرى أنّ التوحيد الحقّ لا يُتعلَّم من المطويات وشرح المنظومات، إنّما يُتعلّم في الجبهات في مواجهة الأعداء الكافرين المحاربين.. وأنّ السنة ليست في لزوم طريقة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في اللباس والصلاة، فقط، مع ترك طريقته في الغلظة على اليهــود والكافرين ومحاربتهم.

أهل غزّة يعيدون إلى الأذهان حقيقةً طالما أريد لها أن تنطمس في زمن التفرّق والاختلاف وادّعاء كلّ طائفة أنّها صاحبة الحقّ وأنّها الناجية.. غزّة تذكّر الأمّة بأنّ أهل الثّغور الذين يقارعون أعداء الأمّة ويدافعون عن حياضها، هم الميزان الذي يوزن به غيرهم، قال ابن تيمية رحمه الله: “ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دلّ عليه قول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا))؛ فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف النّاس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثّغر فإنّ الحقّ معهم لأنّ الله يقول: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا))”.

مقالات ذات صلة