رفع الحصار عن “عقد” المبادرة المصرية
قبل أن ترتفع صيحات المعتدي والمعتدى عليه بجمل “لقد انتصرنا”، يتوجب علينا طرح أسئلة منتجة للمعرفة حتى لا يخدعنا التسويق التقليدي للمتشابه من الانتصارات، أو يأسرنا المرجفون في تقييم مغشوش، سوف يعمل على تحميل المقاومة بدل الصهاينة تلك الحصيلة الثقيلة من الضحايا.
دعونا نثبت أن وقف القتال قد تم على أرضية المبادرة المصرية التي رفضت من قبل، فحق لنا أن نسأل: ما الذي تغيّر في المبادرة حتى تقبل بها المقاومة والكيان معا، بعد قرابة شهر قتل فيه الصهاينة بدم بارد 1867 من أهل غزة، قرابة نصفهم من الأطفال والنساء والمسنين؟ وما الذي حمل المصريين على تعديل المبادرة بعد أن تحمّلوا طوال شهر كامل مفردات حملت شجبا وإدانة، حولت مصر إلى شريك في قتل الفلسطينيين؟
في الظاهر لم يطرأ أي تغيير على المبادرة التي كانت تدعو في نسختها الأصلية إلى وقف الأعمال العسكرية، ثم الدخول في مفاوضات تفضي إلى التوقيع على هدنة، وهذا ما حصل ليلة أمس الأول، ويبقى التغيير الحقيقي الذي فكك العقد المصرية، هو توصل الوفد الفلسطيني الموحد إلى تفهم العقدة المصرية الأكبر تجاه إدراج ملف معبر رفح مع رزمة مطالب الفلسطينيين برفع الحصار، وقبول الوفد بالتفاوض عليه منفصلا مع مصر، أضيفت إليها عقدة القيادة المصرية من جهة حماس، والعقدة من دخول المحور القطري التركي على الخط كمنافس.
الاختراق الحاصل لم يأت من فراغ، بل ساعد على إخراجه الصمود الرائع لأهل غزة: مدنيين ومقاومين، أسقط رهانات الصهاينة على العدوان، وأفسد حسابات أمريكية كانت تعمل في الوقت بدل الضائع من شوط إضافي لربيع عربي فقدت زمامه، إضافة إلى فقدان الكيان للمبادرة منذ اليوم الأول من الاجتياح البري، وتراكم قرائن كثيرة على قرب اندلاع انتفاضة ثالثة، تهدد بنسف كل ما أنجز في الضفة، وأخيرا، صمود الموقف الفلسطيني الموحد، الذي منح هذه المرة غطاء الشرعية للمقاومة.
وإذا كانت العوامل الثلاثة الأولى قد ليّنت موقف الصهاينة من الهدنة، فإن تغيير موقف المقاومة من المبادرة المصرية يحسب لأكثر من طرف فلسطيني وعربي، اشتغل في السر لدى الفريقين. فقد اشتغلت السلطة وقيادة “فتح” بذكاء هذه المرة بحثا عن فرص ردم الهوة بين حماس ومصر، ساعدها عمل دبلوماسي جزائري خفي على الطرف المصري، انتهى بتفكيك العقد المصرية الثلاث، بالتوصل إلى إبعاد المبادرة القطرية التركية، وتجاوز عقدة حماس عبر تشكيل وفد موحد بقيادة فتح، وأخيرا التوصل إلى فك الارتباط بين رفع الحصار وإعادة فتح معبر رفح.
ما يؤسف له أن شروط تعديل المبادرة المصرية كانت قائمة ساعة طرحها، لو أن القيادة الفلسطينية تعاملت منذ البداية مع العدوان ومشتقاته بلسان واحد، أو أن القيادة المصرية صارحت في وقت مبكر بعض حلفائها أو أصدقائها بهذه الموانع وطلبت المساعدة، أو أن طرفا مقبولا للجميع مثل الجزائر تحرك للمساعدة في رصد ثم تفكيك هذه العقد ما سمح اليوم بتحقيق وقف مؤقت للمذابح الصهيونية، وقد ينجح في تثبيت هدنة تنتج في الحد الأدنى رفع الحصار وتخفيف المعاناة عن شعب غزة.