رمضان يدعونا لنراجع أحوالنا مع القرآن (2/2)
القرآن الكريم، كتاب مبارك، يبارك لصاحبه في وقته وصحّته وبيته وأهله وماله وكلّ أموره، قال تعالى: ((وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).. وهذا مشاهَد وملموس في واقع حملة القرآن وحفظته المتأدّبين بآدابه، قال أحد الصّالحين: “كلما زاد حزبي من القرآن، زادت البركة في وقتي، ولا زلت أزيد حتى بلغ حزبي عشرة أجزاء”، وقال أحدهم موصيا أحد طلبة الحديث: “أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه؛ فإنه يتيسر لك الذي تطلبه على قدر ما تقرأ”، وقد امتثل الطّالب الوصية ووجد أثرها، فقال: “رأيت ذلك وجربته كثيرا، فكنت إذا قرأت كثيرا تيسر لي من سماع الحديث وكتابته الكثير، وإذا لم أقرأ لم يتيسر لي”.
هذه البركة التي وجدها وعاينها الصّالحون في حياتهم، هي ما يفقده كثير منّا في واقعهم وحياتهم؛ يظنّ الواحد منّا أنّ القرآن ليس له إلا وقت الفراغ الذي كثيرا ما تزاحمه فيه شواغل لا تنفع في دين ولا دنيا، وربّما يمضي اليوم من دون أن يفتح المصحف، مع أنّه أنفق ساعات طوال في جلسات القيل والقال وفي تصفّح شوارد مواقع التواصل.. يظنّ أنّ ابنه سيفشل في دراسته لو زاحمها بالقرآن ولزم حلقاته، وبعض الأمّهات إذا حان وقت الامتحانات تمنع ابنها من حضور حلقة القرآن ومن متابعة حفظه، ظنّا منها أنّ القرآن يأخذ منه وقتا هو في حاجة إليه لمراجعة دروسه.. وهذا ظنّ خاطئ، لأنّ تلاوة القرآن وإعمال الفكر والعقل في حفظه، ينمّي ملكة الحفظ والفهم ويلقي البركة في وقت الطّالب وجهده.. لذلك نجد أنّ حفظة القرآن الكريم هم أهل التفوّق والريادة وأصحاب المراتب الأولى في الامتحانات الرسمية، وقد صدق العلماء حينما قالوا إنّ أهل القرآن يمتعون بعقولهم مهما طالت أعمارهم، وقد جاوز كثير من أئمة القراءات التسعين وعقولهم محفوظة موفورة، بفضل الله وبفضل القرآن.
القرآن الكريم بركة في الرزق والمال، وبركة في الأهل والأولاد، عن ميمون بن مهران قال: “خصلتان فيهما البركة: القرآن والمطر، وتلا قول الله تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماءً))، وقوله سبحانه: ((وهذا ذكر مبارك))”.. القرآن بركة للبيوت، ووالله ما وجد بيت يهتمّ أهله بالقرآن تلاوة وسماعا وحفظا وعملا، إلا غمرتهم الخيرات والبركات، وعمّتهم السكينة والطمأنينة والرّحمة، وانقشعت عنهم الهموم والغموم والمشاكل والخصومات: يقول صحابيّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أبو هريرة -رضي الله عنه-: “البيت إذا تلي فيه كتاب اللّه اتّسع بأهله، وكثر خيره، وحضرته الملائكة، وخرجت منه الشّياطين، والبيت الّذي لم يتلَ فيه كتاب اللّه، ضاق بأهله، وقلّ خيره، وتنكّبتْ عنه الملائكة، وحضره الشّياطين” (رواه ابن أبي شيبة).
كتاب يعزّ أهله
القرآن كتاب عزيز، يُعزّ من حمله وحفظه ووعاه وعمل بما فيه، ويرفع ذكره ويلقي محبّته في قلوب النّاس.. قال تعالى: ((لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُم))، ذكركم: أي عزّكم وشرفكم.. يقول أحد الدّعاة: “كل من يقبل على القرآن، ويتعلمه، ويعمل به، ويتحاكم إليه، ويدعو إليه، مخلصا في ذلك كله: يشرف، ويفلح، ويرفع ذكره في الدنيا والآخرة.. قال الله تعالى: ((لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُم)): أي فيه عزُّكم وشرفكم وفخركم في الدنيا والآخرة إن تذكرتم به، وعملتم بما فيه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين”، ويضيف الدّاعية: “وقلما هجر أحد كتاب الله إلا تكدرت أحواله، وضاق صدره، وصار أمره فرطا، ولم يبارك له في وقته أو عمره أو علمه، وظل يكدح ليله ونهاره دون طائل يذكر، ومهما اشتغل بعلوم الآلة، أو دقائق الفكر والتنظير، أو مسائل السياسة، فسوف تطوى صفحته سريعا، ولا يبقى أثره ماثلا في الأمة، أو مؤثرا في الأجيال”.
أهله هم أهل الله وخاصّته
خير النّاس وأرفعهم قدرا في الدنيا والآخرة، وأرفعهم منزلة في الآخرة، هم أهل القرآن، كيف لا والله -جلّ في عليائه- قد جعلهم أهله وخاصّته: قال رسول اللَّه -صلّى الله عليه وسلّم-: “خَيركُم مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعلَّمهُ” (أخرجه البخاري)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: “إِنَّ اللَّه يرفَعُ بِهذَا الكتاب أَقواماً ويضَعُ بِهِ آخَرين” (أخرجه مسلم)، وقال -صلوات ربّي وسلامه عليه-: “إن لله أهلين من الناس”، قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: “هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته”.
أشرف منزلة وأعلى مقام، حينما يفتح الله على عبده المؤمن بمحبّة كلامه والاهتمام به وتلاوته آناء الليل وأطراف النّهار، لا يملّ ولا يكلّ، بل أسعد الأوقات وأعزّها عنده هي تلك التي يجلس فيها يرتّل كلام الله ويتدبّره ويحفظه.. وهذا ما كان يفترض أن نتنافس فيه ويتنافس فيه أبناؤنا: يقول الشّفيع المجتبى -عليه الصّلاة والسّلام-: “لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار” (البخاري ومسلم)..
هذه منزلة أهل القرآن يوم القيامة
كفى أهلَ القرآن شرفا أن يؤذَن لهم يوم القيامة بتلاوة ما كانوا يحفظون، في حضرة الملك سبحانه، ويبلغ كلّ منهم منزلته بحسب حفظه وإتقانه لكلام الله: يقول النّبيّ -صلّى اللَّه عليه وسلّم-: “يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً” (أخرجه الترمذي).
كفى أهل القرآن فخرا أنّهم يوم القيامة يحلّون تيجان الكرامة، وأكثر من هذا يحلى والدُوهم تيجانا من نور: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من قرأ القرآن، وتعلمه، وعمل به، ألبس والداه يوم القيامة تاجا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلتين لا تقوم بهما الدنيا! فيقولان: بم كسينا؟! فيقال: بأخذ ولدكما القرآن”.. متعة الدّنيا ونعيمها وأنسها وبهجتها أن يرى الوالدان أولادهما يتسابقون إلى حلقات حفظ القرآن، ويتنافسون في حفظ كلام الله، وأمتع لحظات الدّنيا يوم يصلي الأب مأموما خلف إمام هو ولده الذي رباه على محبّة القرآن والاجتهاد في تلاوته وحفظه، أو تصلي الأم خلف ولد صبرت على تربيته وتهذيبه بالقرآن.. مقاطع كثيرة على الإنترنت لآباء يبكي الواحد منهم ويسجد لله شكرا وهو يحضر ختمة ولده أو ابنته لحفظ كلام الله، ويأنس بابنه وهو يحتضنه ويقبّل رأسه.. والله إنّها للحظة تستحقّ أن تبذل لأجلها أموال الدّنيا، ويتعب لأجلها الوالدان ويصبرا على كلّ نقص في دنياهم.
لا تُفتح كنوزه ومعانيه إلا لمن يعانيه
القرآن كما وصفه الله: ((كتاب عزيز))، يحتاج إلى جهد وتعب وحرص ومثابرة؛ إذا أعرضت عنه أعرض عنك، وإذا أقبلت عليه أقبل عليك. إذا أعطيته جزأك أعطاك جزأه، وإذا منحته كلّك أقبل عليك كلّه.. القرآن يستحقّ أن تعطيه من أعزّ وأفضل أوقاك، ولا يليق أبدا أن تجعل له فضولها؛ إذا وجدت متسعا من الوقت قرأت وإن لم تجد تركت! ابدأ بالقرآن وخذ له من وقت دنياك، ترَ من الله العجائب في حياتك.. وقد صدق الإمام الجصاص حين قال: “القرآن لا تَتَفَتَّق معانيه، إلا لمن يعانيه”.
تُب إلى الله من تقصيرك في حقّ كلام الله، وعد إلى كتاب الله بقلبك وروحك وعقلك وعينيك وحالك وواقعك، تلاوة وحفظا وفهما وتدبرا وعملا وتحاكُما ودعوة.. اجعل من أعزّ أوقاتك لكتاب الله، ووالله لن يخيّبك الله في الدّنيا ولا في الآخرة.. عد إلى بيتك وأبنائك وبناتك، ورغّبهم في كتاب الله وحبّب إليهم تلاوة كلام الله وحفظه، وخذ بأيديهم إلى بيوت الله ومدارس القرآن، وساهم بما تستطيع من مالك في بناء وتشييد المدارس القرآنية؛ فهي الحصن لأبنائنا من سبُل الشّهوات وطرق الغواية.