-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

روح العودة لعودة الروح

عمار يزلي
  • 380
  • 0
روح العودة لعودة الروح

تفسيرات ما يحدث لما “بعد الحداثة” اليوم، يترجمها حجم المؤشرات والإشارات التي كثيرا ما تحدّث عنها فلاسفة التغير، مثل ما تحدّثت عنها نظريات استشراف المستقبل وحتى بعض الباحثين في مسألة “الجلاء البصري” ضمن الفلسفات الباطنية. غير أن ما يحدث من جلاء بصري وبالعين المجردة، ومن دون حتى الركون إلى المناهج الباطنية في الاستشراف، تظهر للعيان كثير من المؤشرات التي توحي بأن نهاية عصر الحداثة الغربية قد بدأ في الانحدار وأن بداية العودة لنقطة الانطلاق الروحية الأولى قد بدأت، مع تغير طبيعي في النسيج العامّ لتطبيقات هذه العودة، وهذا التحول لا أحد ينكره.

روح العودة، تتحلق حولها مجموعة من المعايير والأرقام والمؤشرات العالمية في قبول كثير من الشباب خاصة فكرة أن العالم المادي والنظام المالي والاقتصادي المادي الحالي، يُفرغهم من الروح ومن معنى وجودهم الأنطولوجي. الفراغ الفكري والديني والشعور بعدم الرضا والاستقرار والراحة النفسية والاطمئنان، ثم الركون إلى كل أساليب مقاومة هذا الخواء الداخلي عبر الممارسات المتطرفة من تعاطي المخدرات والمسكرات وكل أنواع الموبقات والشذوذ وحتى عبادة الشيطان والدخول في ممارسات إجرامية، كالقتل المتسلسل والتلذذ بطعم ورائحة الدم حتى من دون طقوس وثنية متجددة، ثم الإقبال على الانتحار بكل الأنواع والطرق والأشكال، كل هذا يدل على أن محاولة الهروب من الفراغ أوصل الجيلين الأخيرين على الأقل من هذه الحضارة الغربية عندهم وعندنا بالتبنِّي والتقليد، إلى فراغ سحيق أعمق ينذر بانهيار القيم الإنسانية والأخلاقية كلها والسقوط المدوي في فوضى الأمم التي نالت كل أشكال العقاب الإلهي والطبيعي على مرِّ العصور.

أمام هذا التردي في القيم بسبب طغيان العالم المادي والنزعة الفردية الزائدة وانفصال المجتمعات عن بعضها والأفراد عن بعضهم إلا ما يجمع من مصالح مادية زائلة، مع زوال الروابط الأسرية والجوارية والصداقات والمحبة الحقيقية التي هي جوهر الأديان السماوية كلها، هو ما أوصل الحداثة إلى جدار مانع من إسمنت مسلح، وإلى نفق مظلم لا نور يُرى في أفقه غير المرئي، وهو نفسه ما أوصل ولا يزال وسيزداد في السنوات المقبلة بشكل أكبر، إلى الإقبال على الدين والتدين، لاسيما الدين الإسلامي والمسيحية الحقيقية الأولى التي عرفناها في مهدها والتي أساسها الحب والتسامح والتقاسم والتكافل، والتي تُجمِع عليها كل الأديان، وشملها الإسلام.

الجيلُ الجديد، من أطفال وشباب ومراهقين، فضلا عن المتنوِّرين ممن سئموا الخواء والفراغ الإلحادي والنكران المادي والإيمان الضعيف، ومن الانتحار البطيء عبر أساليب الغواية التي تؤدي إلى “جنة الشيطان على الأرض”، وأيضا من مثقفين وفلاسفة وعلماء وفنانين وأناس بسطاء شاهدوا وجرَّبوا ثم جاءتهم لحظة الاستنارة بنور الإيمان بأن الحياة ليست مادة وموتا ونهاية بلا معنى، وأن “الدهرية” التي أعادت الحداثةُ الغربية توليدها عبر نظام التعليم ولائكية وعقلانية تُنكر كل عقل مدبِّر إلا عقل البشر القائم، ما هي إلا خدعة عقلية وبصرية مثل الخدع السينمائية، والذكاء الاصطناعي حاليا، لا يعدو أن يكون سحرا حدثيا عاميا للأبصار، مضللا للإنسان، يقود نحو البهيمية عبر تفعيل وتنشيط شراهة الاستهلاك بلا ضوابط وبلا حدود، وتضخيم فعل “الحاجة”، ليصبح المال هو المطلب الأول والأخير والرغبة في إشباع رغباته الحيوانية بشكل لا متناه، كما لو كان الإنسان يسابق الموت بالتشبّع من “ملذات” الدنيا والسوق التي تفرضها عليه وسائط الاتصال ووسطاء الترويج بلا حدود لسلع بغرض التربُّح بلا ضوابط.

روح العودة إلى الروح، مسارٌ قد بدأ وسيعرف العالم صورا له أكثر وضوحا وشمولا عما قريب.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!