الرأي

روسيا.. أدوار ترسم بالقنابل والسياسة

صالح عوض
  • 2488
  • 0

بعد أقل من ثلاثين سنة استطاع الروس من الإمساك بموقعهم الدولي باقتدار بعد أن كاد الجميع يصل إلى نتيجة مفادها أفول نجم الروس و تسيد نهائي للأمريكان كما ذهب الى ذلك ساسة ومفكرون واستراتيجيون.. وقد استهلت الإدارة الأمريكية مشروعها التسيدي على العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية بان وجهت ضربات صاعقة للعالم الإسلامي بإسقاطها عاصمتين إسلاميتين كابول وبغداد تحت حجج واهية حشدت خلفها الراي العام الدولي الأوربي وحلفائها وأصدقائها.. ومع صكيك جنازير الدبابات الامريكية ودوي القنابل والصواريخ وما أشيع عن عمليات انتهاك للحرمات في العراق وأفغانستان وقوانتينامو وقتل بالجملة قدمت كثير من أنظمة العالم الإسلامي أيديها طائعة للقيد الامريكي.

لم يكن سهلا في تلك السنوات الاولى من الهجوم الأمريكي تصور مستقبل غير الإفناء للوجود السياسي للامة والتفشي الرهيب للنفوذ الأمريكي في العالم بعد ان تمكنت الادارات الغربية وعلى رأسها الادارة الامريكية من تفكيك الكتلة لشرقية وتقسيم دولها بافتعال حروب أهلية شرسة.

إلا أن الفضل كله يعود الى لمقاومة الأفغانية الشرسة و المقاومة العراقية الباسلة اللتين أوقعتا بالجيش الأمريكي ما لم يكن يتوقعه أحد فمنذ يوم الإحتلال الأول نهضت المقاومة العراقية لتسجل حالة استثنائية في مقاومات الشعوب بلغت فيها الأعمال العسكرية أكثر من ألف عملية يوميا حسب تقارير الجيوش الامريكية..

كانت المقاومة العراقية الباسلة التي خاضها جيش العراقي وأجهزة الأمن العراقية السابقة والجماعات الجهادية ترسم بوضوح نهاية الإمبراطورية الأمريكية وتوجيه ضربة عميقة في قلبها.. فلقد بلغ عدد القتلى و نوعية العمليات العسكرية وكثافتها موقعا حساسا في نفسية الجيش الامريكي والمؤسسة الامريكية الامر الذي اصبح بموجبه من الضرورة الانسحاب فورا وتحت جنح الظلام من العراق..

لم تكن خسارة امريكا في العراق فقط بانسحابها ومقتل عشرات الالاف من جنودها وعودة جيشها الى المصحات النفسية في الولايات المتحدة وانما بإيقاف المشروع الامبريالي كلها في المنطقة وفي العالم وتوقفه ولو مرحليا عن التقدم فلقد كان من المتوقع ان يبدأ الهجوم فورا على سوريا والسعودية لتفسيخهما والسيطرة على المواقع الاستراتيجية والاقتصادية فيهما.

هنا كان الروس وفي خلال سنوات بعد سقوط الاتحاد السوفيتي يرممون ما انهار من بيانهم الاقتصادي والامني والاستراتيجي وبصمت عميق وبعيدا عن الاشتباك بالأمريكان تمكنوا من استعادة هيكلة الدولة الجديدة الاتحاد الروسي على اكثر من صعيد لاسيما الجانب الأمني و لم يكن الامر عسيرا حيث لم يعان الاتحاد الروسي من ديون مستحقة على الدولة بل العكس تماما لقد ورث عن الاتحاد السوفيت مستحقات مالية عديدة لدي كل الدول التي كانت في المنظومة الاشتراكية.

تجاوز الروس نكبتهم الكبيرة ورصدوا السياسة الأمريكية المسكونة بروح التسيد والغرور تراكين لها المجال لاستنفاذ طاقتها وقدراتها في معارك لن تعود بفائدة على الولايات المتحدة الامريكية بل بخسارات فادحة معنوية ومادية وصلت الى افلاس البنوك واحتمال الوصول الى الكساد الاقتصادي العظيم..

استمر الهجوم الامريكي بضغط من شركات النفط ومجمع الصناعات العسكرية للتورط امريكا في وحول منطقة المشرق العربي تحت غطاء الربيع العربي الذي وجدت فيه الفرصة المواتية لإحداث الفوضى الخلاقة وبناء شرق اوسط جديد.. جعل الامريكان قاعدة الفعل الاساسية في سورية فحركوا عملائهم وحلفاءهم واصدقاءهم لتدمير سورية وتحقيق عدة اهداف من ذلك منها تمديد أنبوب الغاز القطري لأوربا عبر السعودية والأردن وسورية وتركية وبهذا يتم توجيه ضربة قاضية للاقتصاد الروسي واحداث واقع الاستغناء عن الغاز الروسي في أوربا و تحقيق وجود كيانات هزيلة طائفية وعرقية في المنطقة تنجز الامن الاستراتيجي للكيان الصهيوني بالإضافة إلى جملة أهداف مالية وسياسية.

لم تكن المسألة السورية سهلة كما تخيلها الأمريكان وأصدقاؤهم حيث توقعوا أن أشهرا قليلة كافية بانهيار الاوضاع في سورية وتقسيمها وانجاز جملة الاهداف المطروحة.. ولكن حقيقة هذه الاهداف تعني بوضوح ان المتضررين الرئيسيين من هذه الحرب لن يتركوها تمر هكذا دونما تصدي شرس.. فغدت العملية كلها كأنما هي مغامرة.

فكانت روسيا وإيران الأكثر تضررا مما قد يلحق بسوريا بالإضافة إلى تنظيمات المقاومة في المنطقة كحزب الله اللبناني.. هنا استنفر كل المتضررين من احتمال سقوط الدولة السورية ولابد من التأكيد على ان الروس وصلوا الى استنتاج مهم ان الأمريكان ليس من الوارد دخولهم في حروب طويلة تستنزف ثرواتهم وسياستهم لهذا صعد الروس موقفهم العسكري وتوصلوا الى مرجعيات سياسية مع الأمريكان حول الإرهاب حيث عاش الخطاب الامريكي اضطرابا واضحا فهو من جهة يساند الارهاب ويصنعه ومن جهة يعلن الحرب عليه فكانت السياسة الامريكية جملة في مهب الريح وكل ذلك كان على مرأى من الروس الذين انكبوا على الاستفادة الى اقصى درجة من التقدم لفرض نفوذهم في المشرق العربي تساعدهم في ذلك علاقاتهم الإستراتيجية مع ايران حيث سيكون المفتاح للوضع السوري العراقي.. وقد أوصل الامريكان لاصدقائهم في المنطقة ان هناك تفاهمات مع الروس لابد من الالتزام بها حتى في ظل تهرب الإدارة الأمريكية من التزامات واتفاقيات وقعتها مع الروس نقلت تلك التعهدات الى أصدقائها لاسيما الأتراك للقيام بالمهمة نيابة عن أمريكا ويجد هذا التوجه مداه الأقصى في ظل حكومة أمريكية جديدة تجعل أولوياتها الخارجية التخلص من المجموعات المسلحة.

تحرك الروس بخلفية التعاون ضد الارهاب.. وضربوا بقسوة وشدة بالغتين لفرض واقع جديد ينهي تواجد القوى السياسية صديقة الأمريكان لتأمين الوضع السوري كي لا يتحول الى نقطة ضعف في خاصرة الاقتصاد الروسي.. ولم تجد أمريكا بدا من التماشي مع الروس في كثير من الخطوات الامر الذي جعل حلفاء امريكا في ورطة حقيقية كما اعلن الرئيس التركي أردوغان الذي اتهم الأمريكان انهم هم من انشا داعش والنصرة وانهم تخلوا عنه في مواجهته للإرهاب.

لكن لابد من الاشارة الواضحة الى طبيعة الدور الروسي فلم يكن الموقف الروسي لصالح عيون بلاد الشام ولا انتصارا للقضية العربية انما دفاعا عن مستقبل روسيا ودورها.. وهنا يصبح من الضرورة فهم طبيعة التحرك الروسي ودوره لكي لا نتفاجأ بمواقف تبدو في حينها متناقضة وعكسية حيث سيكون التفاهم التركي الروسي اولوية استراتيجية للروس في المنطقة.

تتحرك روسيا على اكثر من مستوى الان للامساك بملفات المنطقة كلها في ظل انسحاب امريكي واضح الى درجة اعلان الرئيس الأمريكي القادم انه لا علاقة له بالأنظمة في المنطقة وتغييرها وانه سيتصدى للإرهاب وانه ليس صديقا لدول الخليج.. في هذه المرحلة يمسك الروس بالملف السوري وعلاقاتهم استراتيجية مع ايران وينفتحون على علاقات متطورة مع تركيا ويتسللون الى العراق ويرسون ببوارجهم على شواطئ ليبيا في محاولة للامسك بالملف الليبي.. واخيرا الملف الفلسطيني حيث تتم الدعوة الان للفصائل الفلسطينية بالتحاور في موسكو للتوحد في الحين الذي تتم فيه الدعوة لرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس حكومة الكيان الصهيوني للالتقاء في موسكو.

انه دور بارز وواضح ولعله لم يتسن للروس قبل اليوم لعب هذا الدور حتى في اكثر ايام عزهم في ظل الاتحاد السوفيتي.. وفي مواجهة هذا التطور البالغ هل يجد العرب لهم دور يستفيدون من خلاله في رسم مستقبل امتهم.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة