“روليت” روسي في سوق النفط
اختارت روسيا القرار الأصعب بإنهاء تحالفها النفطي مع الدول المصدرة للنفط “أوبك” لضبط الإنتاج حفاظا على الأسعار من الانهيار، ظنا منها، إن الانتعاش الأمريكي بتدفق النفط الصخري نحو الأسواق العالمية، سيتراجع أمام عودة معدلات زيادة الإنتاج النفطي بما يلبي حاجة السوق العالمي.
دخلت روسيا في أزمة اقتصادية ستتحمل أعباءها المالية القاسية، برفضها اقتراح منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، بقيادة المملكة العربية السعودية، بخفض إضافي في إنتاج النفط اليومي، من اجل إيقاف انخفاض أسعار النفط إثر تراجع الطلب العالمي، وتراجع الصين “المستورد العالمي الأول” مع انتشار فيروس كورونا.
تنتج روسيا وحدها وفق اتفاقها مع “أوبك” ما يقارب الـ”11.24″ مليون برميل يوميا، بعد ما وافقت على خفض إنتاجها بواقع “228” ألف برميل يوميا، وهو رقم يعد أقل من الرقم المتفق عليه في اتفاق خفض الإنتاج النفطي، حيث كان عليها ان تخفض الإنتاج إلى “11.17” مليون برميل يوميا.
وزاد إنتاج النفط الروسي في الثلث الأخير من العام الماضي ليصل إلى “11.32” مليون برميل يوميا، بمستوى يفوق بكثير ما تعهدت به وفق الاتفاق المبرم مع دول “أوبك”.
أما إنتاج منظمة “أوبك ” المتكونة من “12” دولة فقد تراجع بواقع 509 ألف برميل يوميا خلال شهر جانفي 2020، الأمر الذي هبط بمعدل الإنتاج اليومي للمنظمة إلى 28.859 مليون برميل مقارنة مع 29.368 مليون برميل في ديسمبر 2019.
ينحدر سعر النفط في الأسواق العالمية شيئا فشيئا إلى 25 دولارا، ولم ينج أحد من تبعات هذه الكارثة الاقتصادية الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت بإنتاج النفط الصخري أكبر منتج للنفط في العالم، وروسيا التي تتصاعد قدرتها الإنتاجية عاما بعد عام، ودول “أوبك” التي تعيش على الريع النفطي.
أمريكا التي تنتظر ارتفاعا في أسعار النفط، لتفتح الأسواق أمام نفطها الصخري الأرخص، ستشهد عزوفا عن نفطها، في ظل انتاج طاقوي أقل سعرا، وستضطر روسيا إلى اللجوء لصناديق النقد الاحتياطي الأجنبي لتعويض خسائرها، بينما ستلجأ دول “أوبك” إلى استنزاف صناديقها الاحتياطية وتعطيل خطط التنمية واللجوء إلى الاستدانة بشروط مجحفة، قد تخل بمنظومتها السيادية.
الرئيس دونالد ترامب حمل المملكة العربية السعودية وروسيا الفيدرالية مسؤولية انهيار الأسعار في سوق النفط العالمي، وهو يرى سعر برميل النفط في بلاده يصل إلى 30 دولارا، كما يرى منتجو النفط الصخري قد انحنت رؤوسهم خوفا من حرب الأسعار التي تعطل قدرتهم التسويقية.
لكن الحقيقة التي يخفيها الرئيس دونالد ترامب ويدركها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هي انطلاق حرب اقتصادية عظمى، جني ثمارها يستحق تحمل الخسائر الكبرى.
روسيا لم تهيئ البديل لتعويض خسائرها إلا باستهلاك مدخراتها في صناديق المال الاحتياطي، لكن أمريكا لها البدائل التي تقلل من حجم خسائرها، بما يجعلها المنتصر في حرب اقتصادية تحرق دول “أوبك” قبل أن يصل دخانها إلى موسكو.