ريحة رمضان…!
يحلّ علينا رمضان، ليجد بعضنا على أحسن حال، وبعضنا الآخر يتخبط في مشاكل لا حصر لها، ولينطلق السباق السنوي، الذي تعوّدنا عليه جميعا كلما عاد شهر الصيام والقيام.. الجميع صائم.. الكلّ نائم.. وهو شهر للتوبة والغفران، وأيضا للجشع والطمع والصرع!
يعود رمضان ليجد طبقة سياسية مريضة بالمصائب والمناصب والمكاسب والحقائب.. حكومة وأحزابا موالية وأخرى معارضة، وزراء وولاة وأميارا، الكلّ يغني لليلاه، و“كلّ طير يلغى بلغاه“، لكن الزوالية لم يفهموا هذا السيل المتهاطل من الأغاني.. “يا سعدك يا لطرش“!
يعود رمضان ليجد تجارا يُلهبون الأسعار، ومصالح رقابة غائية، لا تظهر إلا عند ما ترافقها الكاميرات، ومستهلكين تحكمهم “اللهفة” و“اللهيف“، يتزاحمون في الأسواق والمحلات، باسم استقبال هذا الضيف الكريم.. لكن كثيرا ما يكون هذا الاحتفال بالتبذير بدل العبادة وفعل الخير!
يعود رمضان لتتوقف أغلب المشاريع التنموية التي يتولى أمرها “الصائمون“، فالشهر الفضيل هو فرصة للنوم وسرقة الوقت والهروب المبكـّر من الوظائف، ولذلك ستنتظر البلاد والعباد مزيدا من الفترات المتقطعة التي تـُسيل لنا جميعا العرق البارد وتصيبنا بالحمى الباردة!
يعود رمضان لتغرق الأغلبية المسحوقة والأقلية الساحقة، في قدر “الماكلة” ولغة “الكروش” كلغة تكاد تكون وحيدة في شهر يُطلق فيه السماسرة والمنتفعون وصيّادو الفرص “فتاوى” على المقاس، تحلّل لهم إدخال الأيدي وحتى الأرجل في جيوب عامة الناس من المستضعفين والمقتدرين!
يعود رمضان لتبدأ رسميا وفعليا عركة “قفة رمضان” ومطاعم الرحمة والتسوّل أمام الجوامع من طرف المتسوّلين المزيّفين ومنتحلي صفة اللاجئين الهاربين من الحروب الملعونة التي تمزق بلدانهم الشقيقة!
يعود رمضان ليتنافس أبطال ونجوم السينما على اختطاف أكبر نسبة من المشاهدين والمتابعين عبر التلفزيونات، ولتعود “الكاميرا المخفية“، وتعود المطاردات والملاحقات هنا وهناك!
للأسف، يعود رمضان وتعود معه السرقات والاعتداءات والجرائم، رغم أن الشياطين تصفـّد في هذا الشهر الذي يكون أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.. يعود كلّ شيء من أجل أيّ شيء أو مقابل لا شيء.. ومن العيب والعار أن يكون شهر التوبة والغفران في نظر مرضى النفوس فرصة لمضاعفة السيئات بدل الحسنات.. يعود كلّ شيء إلا “ريحة زمان“، ومع ذلك صح رمضانكم وكل عام وأنتم بخير.