“زبّال” برتبة رئيس؟
الخطوات المتثاقلة لبقايا الناخبين، والنظرات الحادة التي فيها كثير من القسوة لكل المترشحين، والمراكز الانتخابية الباردة معنويا، والصناديق الخشبية الجافة شبه الفارغة إلى غاية ساعة متأخرة من نهار أمس، كانت الاقتراع الحقيقي الذي نعرف عنه أنه الإجابة عن تساؤلات يطرحها المشهد السياسي على الناخب، وينتظر منه ردا ورقيا، حتى تنطلق حياة محلية سياسية وتنموية جديدة، ومع كل ذلك، تبدو الأعناق الناظرة للقمّة و”الأحواض” العاشقة للمقاعد غير آبهة ولا مهتمة بما وصل إليه الحال المعنوي للمواطن، الذي من المفروض أن يكون شريكا، إن لم نقل المغيّر الأول لواقعه المتأزم بالاقتراع.
وإذا كان التلفزيون الجزائري مازال يصرّ على تقديم صور الازدحام قرب مكاتب الاقتراع في الأماكن الصحراوية النائية، والإذاعة تقدم شبابا في قمة الفرح، وهم يؤدون عملية الاقتراع، ولا تراعي رأي الغالبية من الذين ابتلعوا المرّ، وقاطعوا العملية الانتخابية، إيمانا منهم أنها بدأت بالخطأ، فإن وزير الداخلية نفسه توقع ـ عبر الشروق اليومي ـ في شكل أمنية أن تبلغ نسبة المشاركة أربعين إلى خمسة وأربعين بالمئة، أي أن نسبة المقاطعة بلغت سقف الستين بالمئة، وهاته الغالبية تمثل إطارات ووطنيين وعشاقا للبلاد، أجمعوا وأجمع معهم حتى المترشحون على أن الحملة الانتخابية والأداء السياسي عموما كانا دون المستوى، لأجل ذلك سجن الناخب بطاقته في جيبه، ورآى أن مشاركته في رفض هؤلاء عبر الصندوق هو اعتراف بوجودهم.
المدهش أن الدولة رصدت أزيد من سبعمئة مليار سنتيم لانتخابات نهار أمس، وجندت قرابة المليون نسمة لأجل تأطير العملية. وهاته الميزانية، وهذا العدد الهائل من المؤطرين الذين يتقاضون منح العمل، يكفي لأن يبني دولة صغيرة في أوربا أو آسيا، وليس لتأطير عملية انتخابية، كانت أشبه بالأيام الجنائزية الحالكة شكلا ومضمونا، ولو قام كل مؤطر من هذا المليون البشري بنزع حجارة واحدة أو ورقة واحدة أو عقب سجائر واحد من الطريق، لكفى رؤساء البلديات الجدد شرّ جمع القمامة، التي تكاد تكون مهمتهم الأولى ـ ولم تؤد على أحسن وجه ـ في بلد مازال شيخ البلدية فيه “زبّالا” برتبة رئيس، وليس منصبا يؤدي لقيادة البلاد، كما هو حاصل في الكثير من البلدان، حيث يتدرّج رئيس الدولة على الكثير من المناصب، أهمها شيخ البلدية.
لا يمكن أن نخفي أن الغالبية من بقايا الناخبين هم من كبار السن، ومن النساء الماكثات في البيت، والقاطنين في القرى النائية، من المحرومين الذين يترجّون جلاديهم من المسؤولين المحليين، والأرقام الصادمة التي وصلت من المدن الكبرى، تؤكد أن ما ضخّت له الدولة من مئات الملايير وجنّدت له من مئات الآلاف من البشر، لم يرق حتى إلى رتبة الامتحان، فما بالك أن يُكرم فيها المرء أو يهان.
يبقى المؤكد أن المواطن مازالت أمامه سنوات أخرى لتجرّع المهانة التي بدأت ذات يوم، عندما اجتهدت الجزائر لبعث التعددية، فوجدت أحزابا تريد مزاحمة الحزب الوحيد في الامتيازات التي غرق فيها من دون أدنى برنامج تنموي.