الرأي

زيدان، بن زيمة… ومحمد مراح

الشروق أونلاين
  • 6370
  • 34

فرنسا التي مجّدت فترة تواجدها الاستعماري على أرض الجزائر، ورفضت الاعتراف بجرائمها التي اقترفتها على مدار قرن واثنين وثلاثين سنة، تتعامل حاليا مع الجيل الذي تسببت في وجوده على أرضها من المهاجرين القدامى بقاموسين لغويين مختلفين!

 تتغير ألوانهما وجغرافيتهما حسب مزاج هاته الدولة، التي مازالت تظن أن الشمس لا تغرب عنها! فقد كان محمد مراح جزار تولوز الذي أساء للإنسانية عامة، ولفرنسا بالخصوص، قبل أن يأتي فعلته الشنيعة فرنسيا، وتحوّل بعد ذلك بالنسبة للإعلام الفرنسي والسياسيين جزائريا، إلى درجة أن صحفا أمريكية تابعت المجزرة، كتبت على صفحتها الأولى “محمد مراح الجزائري”، وفرنسا التي مكثت قرنا وثلث قرن على أرض الجزائر، تعلم أن اليهود الذين اختاروها بعد الاستقلال، لم يمسسهم أذى على أرض الجزائر، وتعلم أن لا جزائريا يبارك مثل هاته الأعمال، ولكنها في حادثة تولوز لا تذكر المتهم سوى بالفرنسي ذي الأصول الجزائرية، ولا تذكر الضحايا سوى باليهود الفرنسيين، رغم أن الجزائر ترفض استقبال المتهم، لأنه ليس منها، ورغم أن الضحايا تم دفنهم في الأرض الفلسطينية المحتلة، حيث يرقد شهيدنا محمد الدرة ورفاقه، وهي في غالب الأحيان تنزع الجنسية التي منحتها لمحمد مراح، وتتركه جزائريا مقرونا بصفات الأحقاد والإرهاب، وكان زين الدين زيدان ـ قبل أن يقود فرنسا للتتويج بأول وآخر كأس عالمية في كرة القدم في تاريخها ـ جزائريا، وعندما أصبح أحد أشهر رجالات العالم صار فرنسيا خالصا، إلى درجة أن رئيس تحرير “آلباييس” أشهر صحف إسبانيا عندما زار زيدان الجزائرَ، قال إنه لم يكن يعلم أن أصول أسطورة الكرة الذي صنع ربيع ريال مدريد جزائرية، وهو بالتأكيد لا يعلم أن سمير ناصري أو كريم بن زيمة الذي يلعب في العاصمة الإسبانية التي تصدر فيها الصحيفة جزائريان، وذات الصحيفة عرّفت، نهار أمس، جزار تولوز بالجزائري!!؟

أحيانا نعيب أفعال غيرنا والعيب فينا، ففي زمن الراحل هواري بومدين كان مجرد التفكير في الحصول على الجنسية الفرنسية خيانة عظمى، بينما يُستقبل زين الدين زيدان الذي رفع العلم الفرنسي، وبذل العرق لأجله، مثل الأبطال في أرض الشهداء، والذين قالوا إن زيدان جزائري هم الذين منحوا للفرنسيين فرصة جزأرة الشواذ والمنحرفين والإرهابيين، الذي ولدوا ودرسوا وعاشوا على أراضيها ،ويتنقلون ببطاقات هوية وجوازات سفر فرنسية.

إقحام الجزائر في الصراع الانتخابي على كرسي الإليزيه، وإقحامها في جريمة وقعت في مدينة تولوز، والإصرار على أن تبقى نفس الألقاب والأدوار لنفس العناصر، هو الذي جعل فرنسا تقتنع أنها هي على الدوام القاضي، وبقية الجنسيات والأديان هم الضحايا، والجزائري متهم.

معروف في كل العالم أن الإجرام أو الإرهاب لا جنسية ولا دين له، فلا يمكن أن نقول إن هتلر وفريتس هارمن أو جورج كارل فيتاك ألمانيون ومسيحيون، وكلهم سفاحون أبادوا الآلاف من النساء والأطفال، ولا يمكن أن نقول إن آلبرت فيش وجريبي هيدنك أمريكيان مسيحيان، وهم الذين قتلوا العائلات، ولا يمكن أن نلصق جرائم الصربي رادكو ملاديتش بالمسيحية، رغم أنه هو نفسه يحاول فعل ذلك، ومع كل ذلك تصرّ فرنسا بالخصوص، على أن تمنح لكل جريمة يرتكبها شخص ـ قد يكون مختلا عقليا أو معقدا بسبب سياساتها ـ بدين الإسلام والأصول الجزائرية.

نعود ونعترف بأن العيب فينا أولا، فقد بلغ العام الماضي عدد طالبي الجنسية الفرنسية من الجزائريين أربعة آلاف من “أحفاد” جميلة بوحيرد، ليضافوا لأزيد عن ست مئة ألف جزائري من “أبناء” مالك بن نبي، تحصلوا على الجنسية الفرنسية، وسينضمون بذلك لزين الدين زيدان وكريم بن زيمة، ويجب أن  لا ينسوا أنهم سينضمون أيضالمحمد مراح!!

مقالات ذات صلة