سأموت ولكن الجزائر ستستقل
تُوفيت يوم 11 فيفري الجاري المجاهدة “دانيال جميلة عمران مين” عن عمر ناهز 78 سنة، وفي نفس اليوم من سنة 1957، أي قبل 60 سنة وعلى الرابعة والنصف فجرا سقطت المقصلة على رقبة الفرنسي فرناند إيفتون (31 سنة) بسجن “بارباروس” وهو يصيح: “سأموت ولكن الجزائر ستستقل”… بنفس الصيحة التي دوَّى بها شابان جزائريان تم إعدامُهما بالمقصلة لحظات قبله وهما في سن العشرين (الشهيدان محمد بن زيان لخنش وعلي بن خيار ونوغي)، لنعيش اليوم أحرارا مستقلين ونسأل لهم جميعا الرَّحمة والخلود في جنة الرضوان.
هكذا كانت جزائر التضحيات، يسبق أبناؤها بالشهادة، ويتسابق آخرون من غير دينهم ولا جنسيتهم بالدفاع عنهم وتحمّل ذات المصير.. أي هكذا كانت المعادلة باختصار: نحن نُقدِّم نموذج التضحية والفداء، والآخرون يُضحُّون من أجلنا، لأننا كنا بالفعل مخلصين فيما نقوم به، متفانين من أجل أن نُقدِّم أرواحنا فداء لأجل الوطن ونحن في ريعان الشباب.
ولعلَّ القائمة ستكون طويلة في هذا المقام لو حاولنا ذكر الآلاف من الرجال والنساء الذين كانوا في كل البلدان مستعدّين للوقوف إلى جانب قضيتنا العادلة بالنفس والنفيس. يكفي أن نتذكّر الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج، والأصدقاء من كافّة القارات، لنعلم كم كانت قيمة تضحياتنا وكم كان عنوان الثورة الجزائرية مُغريا لكافة شعوب العالم، لأنها كانت ثورة شعبية لأجل أهدافٍ عادلة نابعة من عمق شعب لم يزد عن طلب العيش في كنف الحرية والاستقلال كبقية شعوب العالم الحر والمتمدِّن.
ولم يكن سهلا أن يحدث هذا لأيِّ شعبٍ من الشعوب، أو لأيِّ ثورةٍ من الثورات، أن يُضحِّي من أجلها أبناؤُها ويلحق بهم طواعية الآخرون، ولكنه حدث حقيقة عندنا، ولعلنا لم نُدرك قيمة تلك الحقيقة، أو فرَّطنا في إدراكها بعد سنواتٍ قليلة من استعادة السيادة الوطنية، وها هي بعض الذكرى تأتي في نموذج المناضلين الفرنسيين “دانيال” و”إفتون” لكي نُذكِّر أنفسنا أن احترام الشعوب الأخرى وتقديرها ومساعدتها ووقوفها إلى جانبنا لم يكن ليحدث لو لم نكن المَثل الأعلى لهذه الشعوب.. ولن يحدث اليوم إذا لم نستعدْ روح التضحية ذاتها والصدق ذاته والإخلاص بعينه الذي كان لآبائنا وأجدادنا الشهداء.. عودة هذه القيم تُحرِّك روح المجتمع هي وحدها التي يُمكِن أن تُحيي روح الأمل في أن نستعيد مكانتنا وقيمتنا بين شعوب العالم وأن نكون قدوة مرة أخرى، أما ما دون ذلك من محاولات خالية من كل روح وصدق وإخلاص ووفاء، فلن تكون سوى نقمة علينا، لن نجني معها سوى مزيد من آثار لعنة الشهداء.