سؤال العرب لأنفسهم
كان سؤال العرب في مشرقهم ومغربهم خلال القرن العشرين للميلاد هو: كيف نتخلص من الاستعمار الأوروبي؟ ولم تكن الإجابة على هذا السؤال قضية سهلة، إذ كانت الصعوبات ليست فيها وحسب، بل حتى في صياغة السؤال نفسه ناهيك عن طرحه.
وأقوى وأكبر تلك الصعوبات كانت معششة في الذات العربية فيها:
1 ـ كان العرب في العهد العثماني الذي طال أمده قد كفوا عن طرح الأسئلة حتى تلك التي طرحوها في عهد المماليك في المشرق والطوائف في المغرب، وأسلموا قيادتهم السياسية والدينية للأتراك العثمانيين، الذين حكموا المنطقة وشكلوا امبراطورية وهمّشوا العرب تهميشا فظيعا حتى أن الحكم التركي العثماني طوال خمسة قرون لم يشهد وزيرا عربيا واحدا سواء من المشرق أو من المغرب، وتوقف الفكر الديني عند ابن حنبل، كما لم ينتبه الأتراك إلى ما يجري تحت أعينهم من تقدّم أوروبي على مختلف المستويات فانغلقوا وتخلفوا وقادوا معهم كل أراضي وشعوب امبراطوريتهم نحو التخلّف.
2 ـ كانت النخبة الدينية وغير الدينية في الوطن العربي تخشى من طرح السؤال من صياغته، لأنه يحمل في طياته مفاضلة بين المسلم “التركي” وغير المسلم“الأوروبي“، خاصة وأن بعض المناطق مثل“لبنان” ومصر“عهد محمد علي” التي انفتحت على الأوروبي وقعت في القرن التاسع عشر في أحابيله ولم تستطع في الجزائر وقف زحفه الأشد تدميرا..
3 ـ وحين قرّر العرب الاعتماد على الذات جاء ذلك متأخرا جدا، فبالإضافة إلى أن الفرنسيين كانوا قد سيطروا تماما على المغرب العربي انطلاقا من الجزائر التي برزت فيها خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر ملامح السؤال الذاتي، كان محمد علي قد أسس في مصر أسرة يلعب بها الأوروبي كما يشاء، وفي الشام كانت طبقة التجار عبارة عن وكلاء لهذا الأوروبي وكانت بريطانيا قد أكملت سيطرتها على الهند وإيران وشرق إفريقيا.. وفقد العرب حزامهم الثقافي والسياسي، وحين استعانت النخبة العربية ـ كحل يائس ـ بشريف مكة ليقودها إلى الخلاص من الاستبعاد التركي مستثمرة فرصة الحرب العالمية الأولى التي نشبت بين الأوروبيين بعضهم بعضا وانحياز الأتراك للجانب الألماني منهم وسرعان ما أوقعهم شريف مكة تحت الاحتلال الأوروبي.
4 ـ ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى التي دفع فيها العرب الثمن الأكبر وصارت بلادهم كلها في المشرق والمغرب تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني، وضمت صياغة السؤال كيف نتخلص من الاستعمار الأوروبي؟ بعد أن تخلصت من ثقل المفاضلة بين المسلم وغير المسلم كانت تلك هي أهم الصعوبات الذاتية في طرح سؤال العرب على أنفسهم خلال القرن العشرين.
أما الصعوبات الخارجية فقد كانت من الموضوعية والدقة بمكان هام:
1 ـ كانت أوروبا قد وجدت دولة جديدة تحمل ذات طموحها وتشاركها فيها وهي دولة أمريكا، كما أنها أوجدت بديلا عن العرب والمسلمين تسكنهم المنطقة، وهو اليهود والحركة الصهيونية، كما أنها فندت وقسمت العرب أنفسهم إلى دويلات.
2 ـ صار السؤال في صياغته كيف تتخلص من الاستعمار الأوروبي يعني التخلص من الغرب الحضاري برمته وأدواته من يهود وصهيانة والحكام العرب الجدد.
3 ـ وأمام هذا التعقيد صار الجواب على سؤال كيف تتخلص من الاستعمار الغربي هو تحقيق الوحدة العربية، ووقفت أجنحة النخبة العربية للإجابة على هذا السؤال يحارب بعضُها بعضا وكل يطرح استفساراته في مواجهة الآخر، هل تحقيق الوحدة أولاً؟ أم التنمية أولا؟ هل نحارب الاستعمار أولا؟ أم نحارب الأمية أولا؟ هل نحقق وحدة العرب أولا؟ أم نحقق وحدة المسلمين؟
وفي خضم هذه التعقيدات جاءت الحرب العالمية الثانية وهي حرب أوروبية بامتياز، استكمل فيها الغرب برنامجه للسيطرة على العرب، فدفّعهم غاليا ثمن تلك الحرب التي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل، فقد شددت فرنسا قبضتها على الجزائر، وسيطرت أمريكا على نفط السعودية، وأقيمت ما يُسمى “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين.
ومع كل هذا السواد الذي أحاط بالسؤال العربي منذ مطلع القرن العشرين، إلا أن العرب استطاعوا تحقيق منجزات هامة، فما أن بدأ الثلث الأخير من القرن العشرين حتى أزال العرب بعض ذلك السواد.
أ ـ استعادة اللغة العربية ووضعها على طريق التطوير بتأسيس الشيخ طاهر الجزائري وتلميذه محمد كرد على المجمع العلمي في دمشق 1919 وفتح ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عشرات المدارس لتعليم العربية.
ب ـ ظهور أحزاب وطنية وقومية ودينية وبالتالي تكون نخبة سياسية أقل انفلاتا من تلك التي كانت مساندة في مطلع القرن والقرن التاسع عشر.
ج ـ إزالة أسرة محمد علي الحاكمة في مصر عام 1952 والبدء بإزالة الأسر الحاكمة المرتبطة بالغرب، وارتفاع شعار الوحدة العربية من جديد.
د ـ وفي عام 1954 اندلعت الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي فالتف حولها العرب وبدا شعار تحقيق الوحدة العربية وكأنه قيد التطبيق، كما بدا شعار الوحدة الإسلامية في حدود الممكن، بل إن العرب بدأوا يستعيدوا حزامهم الثقافي والسياسي في إفريقيا وآسيا ويدخلون كثورة فاعلة في حركة التحرر العالمي من خلال منظمة الوحدة الإفريقية وكتلة دول عدم الانحياز.
هـ ـ ورغم أن حرب 1967 كانت تؤذن بانهيار كل منجزات العرب، إلا أنهم برهنوا على قدرة فائقة في“مواجهة الأزمات“، إذ ظهرت الثورة الفلسطينية ودروس الحرب الشعبية للثورة على السطح وكانت حرب 1973 ذروة التعبير عن قدرة العرب على مواجهة الأزمات لكنها سرعان ما انتكست وتواصل الانحدار حتى اللحظة.