سائقون “يقتلون أمهاتهم ويخطفون أطفالهم” من أجل رخصة السياقة!
يقتلون أمهاتهم وأهليهم، يخطفون أبناءهم ويدخلون ذويهم إلى غرف الإنعاش من أجل رخصة السياقة، هذه هي أهم الأعذار الكاذبة لسائقي السيارات المخالفين لقوانين المرور التي وقفت عليها “الشروق اليومي” في جولتها مع فرقة أمن الطرقات في السيارات المموهة عبر الطريق السريع الشرقي بولاية الجزائر.
البداية كانت من الحاجز الأمني في حي الموز بالمحمدية في حدود الساعة الواحدة والنصف بعد الزوال، أين كانت الانطلاقة مع الفرقة المتكونة من قائد الفرقة قصاب عمر ومساعده ترجمي إسحاق وكذا نناش مصطفى.
بدأنا السير وكانت الأجواء توحي بأن كل شيء على ما يرام إلى أن ضبط الشرطي أوّل مخالفة تتعلق بالمناورة الخطيرة في الطريق السريع، وتوالت بعدها المخالفات من عدم احترام المسافة الأمنية والحمولة غير المؤمنة، وكذا الآداب العامة وانتهاك حرمة رمضان وتعريض حياة أطفال أقل من 10 سنوات للخطر واستعمال الهاتف والسير على الرصيف الاستعجالي ومخالفات أخرى كثيرة ومتنوعة.
الجولة بينت لنا الوجه الآخر للسائقين في رمضان وكانت مفاجأتنا كبيرة عندما تم ضبط حالة تتعلق بوضع مخل بالآداب العامة حاول مرتكباها التمويه بأنها زوجته وأنه كان يساعدها في وضع خمارها على الرأس، وهي ليست الحالة الوحيدة حسب أعوان الأمن.
وضبط شخص آخر يدخّن، لكنه برر لأعوان الأمن الأمر بأنه غضب وقلق وفضل التدخين على ارتكاب فعل لا تحمد عقباه.
أما شخص آخر ضبط يستعمل الهاتف فبرر الأمر بأن ابنه ضائع وهو يتصل بأخيه للبحث عنه، لكن طريقة حديثه وسرعة سيره التي لم تتعد الـ20 كلم لم تكن توحي بهذا.
ناهيك عن شهادات حيّة قدّمها لنا الأعوان تتعلق بالتدخين في وضح النهار وتعاطي المخدرات واحتساء الخمر.
90 بالمائة من الأعذار كاذبة
وما يجعلك تطرح علامات الاستفهام هي الحجج الواهية في أغلبها لتبرير المخالفات وعدم التفريط في رخصة السياقة مع اقتراب عيد الفطر.. استعطاف وتوسل وبكاء رجال يقابله صرامة وتحجر ماعدا بعض الحالات التي تثبت فيها الضرورة الحتمية المرئية، كما أكده ترجمي إسحاق حينها نحن نساعد الأشخاص الذين يعانون وضعا استعجاليا خاصا، نوجههم ونفتح لهم الطريق للوصول سريعا.
ويستطرد قصّاب عمر “لقد مرّ علينا في هذه المهنة آلاف الكاذبين، نحن لا نعمل بعواطفنا ولا أحاسيسنا، وعلى المواطنين حق علينا، فالمخالف للقانون يجرم بحق غيره وهو ما لا نتسامح فيه أبدا.. لو أنّنا أغفلنا المخالفة لتسببت في كوارث لن نسامح أنفسنا عليها، لذا فنحن نحكم القانون فقط”.
ويضيف قصّاب “90 بالمائة من حجج المخالفين لا أساس لها.. ناس تقتل أمّها وتدخل أهلها إلى المستشفى من أجل رخصة السياقة.. والله نرى العجب العجاب”.
لم نكن نتوقع أن يصل الأمر بالسائقين إلى الادعاء بأن أمّهم ماتت وهو يستعجل للعودة إلى البيت أو أنها تحتضر ويستعجل للوصول إلى المستشفى لإلقاء النظرة الأخيرة عليها، لكن أعوان الأمن أكدوا أنّهم تقفوا آثار الكثيرين وثبت لهم افتراءهم، كما “أنّ الحالة التي يكون عليها السائق لا تنبئ أبدا بأن صاحبها يمر فعلا بظرف خاص”.
الشروق في مغامرة هوليودية.. شد روحك مع “البي آس آر”
شدّ روحك” عبارة ترددت على مسامعنا كثيرا ونحن داخل السيارة في كل مرة ترصد مخالفة ويتظاهر مرتكبوها بعدم الانتباه، يزيد السائق السرعة وتحبس الأنفاس وتعلن الطوارئ.
“الشروق” عاشت مغامرة هوليودية حقيقية، لأنّ ختام الجولة لم يكن مسكا، فكل الحالات التي تم توقيفها امتثلت للأمر ماعدا الحالة الأخيرة التي رفض صاحبها وناور أعوان الشرطة بشكل رهيب وامتدت الملاحقة من حي بلوزداد إلى حي المنظر الجميل، ألحق فيها المخالف الفار إصابات بليغة بأكثر من 6 سيارات كانت عالقة على الطريق، ورغم لحاق أعوان الأمن بالسيارة على الأقدام، إلاّ أن المجرم فرّ وهو ما يثبت بالدليل القطعي حمله لممنوعات فضّل المغامرة والفرار على أن يضبط متلبسا بها، لكن هيهات أن يفلت، فقد تم ضبطه بعد ساعتين تقريبا في أحد الحواجز الأمنية واتخذت بشأنه الإجراءات اللازمة التي تعرضه للسجن بتهمة الفرار من أعوان الأمن وعدم الامتثال لأمر التوقف.
ابتسامات وضحكات تقبر داخل السيارة
ما يلفت انتباهك وأنت ترافق فرقة “البي آس آر” هو الجو الرائع الذي يمضيه هؤلاء مع بعضهم، مهنة جمعت الجد بالهزل داخل السيارات.. الكل يراقب ويلاحظ وتتخلل المهمة أوقات هزل ومزاح تتعالى على إثرها الضحكات وفجأة يقطع أحدهم هذا الجو الجميل بالعبارة الشهيرة “شوف شوف” أو “ليك ليك واش راهو يدير”، وتضبط المخالفة التي يتفق عليها الجميع بعد ملاحظة دقيقة ومطوّلة يتأكد فيها من سوء نية السائق وحينها تزيد سرعة السيارة ويشار إلى مرتكب المخالفة بالتوقف الفوري.
ينزل عون الأمن الذي يقبر ابتسامته وضحكته داخل السيارة مرتديا قناع الحزم والصرامة ويلقي التحية على السائق ليطلب منه الوثائق، وبعد إتمام المهمة يعود إلى مركبته مع زملائه لاصطياد مخالفة أخرى، وإلى أن ترصد يطلق هؤلاء العنان للترويح عن أنفسهم.
ثلاث فرق دوّخت السائقين وسجلت أكثر من 14 ألف مخالفة
المتتبع لنشاط وحصيلة السيارات المموهة يعتقد انها كثيرة، لكنها في الحقيقة لا تتعدى ثلاث فرق حسب ما أكّده العميد زواوي رابح، رئيس مكتب الاتصال بمديرية الأمن العمومي، ولا تتعد حدودها مجال العاصمة فقط كتجربة نموذجية.
ويضيف زواوي أنّ “فرقة أمن الطرقات” استحدثت لمواجهة ظاهرة حوادث المرور، لأن مجمل الحوادث الخطيرة تقع خارج نقاط المراقبة الثابتة ويرتكز عمل الفرقة على إثبات التواجد الأمني والوقاية من حوادث المرور بالتركيز على المخالفات الخطيرة والتي غالبا ما تتسبب في حوادث المرور بسبب السرعة والمناورات الخطيرة وعدم احترام مسافة الأمان والتجاوزات الخطيرة وسير المركبات الثقيلة على جهة اليسار.
وتتميز الفرقة حسب العميد زواوي بأنّها فرقة أمنية وقائية بالدرجة الأولى، تهدف إلى احترام القانون في غياب رجل الأمن.
وحررت السيارات المموهة العام الفارط 14045 مخالفة مرورية، 3676 منها تتعلق باستعمال الهاتف النقال و2214 بالمناورات الخطيرة و563 تتعلق بسير شاحنات الوزن الثقيل على اليسار.
كما حرّرت في الأربعة أشهر الأولى من السنة الجارية 5900 مخالفة، 1612 تتعلق باستعمال الهاتف النقال و821 بالمناورات الخطيرة و607 بتعتيم الزجاج.



