الرأي

سبتة إسبانيّة حتى لو أعدتم الدراجة الهوائية!

حمدي يحظيه
  • 363
  • 0

لغز هجوم المخزن على سبتة الإسبانية بمَسِيرة بشرية محيّر للغاية. كانت نتيجة الهجوم غرق وفقدان حوالي 200 شاب؛ واتحاد الشعب الإسباني كله، من اليسار واليمين، والمتطرفين والمعتدلين، على كره المغرب والمغاربة؛ وفقدان الثقة إلى الأبد في المغرب؛ ومطالبة الشعب الإسباني وقواه السياسية والحية للحكومة الإسبانية بنفض يدها من كل الاتفاقيات المبرمة مع المغرب؛ وعودة النقاش في الصحافة والمنتديات حول رفض أي تنازل عن موقف الحياد في قضية الصحراء الغربية. بالإضافة إلى كل هذا، هناك إجماع إسباني على تصنيف المغرب كعدو تاريخي لإسبانيا، وعلى عدم التساهل معه، وأن أي تعامل معه في المستقبل يجب أن يكون محروسًا بالقوة. إذا كانت هذه هي النتائج، فما الهدف من غزو مدينة سبتة بهذه الطريقة الغبية الهمجية؟
هو في الواقع فشل ذريع بكل المقاييس، ونتائجه وخيمة على المغرب فيما يخص العلاقات الإسبانية المغربية البينية مستقبلًا، وما تولّد عند الشعب الإسباني من كره للمغرب والمغاربة لن يمحوه الزمن. تم تفسير الغزو على أنه غدر وغزو وخداع وجبن، وتمت كتابته في التاريخ. سقطت مقولة إن المغرب سيستعيد سبتة وسيحررها، وإنه فقط ينتظر نهاية طي ملف الصحراء الغربية، وسقطت مقولة إن سبتة أرض مغربية. هناك الكثير من الأسباب التي كشف عنها الغزو المغربي للمدينة مؤخرًا، والتي تفرض على المغرب أن ينسى سبتة بصفة نهائية: لن تسمح له إسبانيا كدولة، ولا الشعب الإسباني، ولا أوروبا، ولا العالم بأكمله أن يحتل سبتة بالقوة؛ والأمم المتحدة أيضًا لن تسمح للمغرب باحتلال المدينة إلا باستفتاء، وإذا حدث الاستفتاء فسيرفض سكان سبتة من الإسبان ومن المقيمين المغاربة فيها الانضمام إلى المغرب لأنه سيحولها إلى مدينة فقيرة مثل مدنه، وهي التي تعيش ازدهارًا بفضل انتمائها إلى إسبانيا. من جهة أخرى، لا يجب أن ننسى أن المدينة توجد في أرض الريف، وشعب الريف كله يريد الاستقلال عن المغرب. إذن، من أكبر نتائج غزو المخزن لسبتة أن الحلم المغربي بغزوها أو استعادتها تلاشى إلى الأبد.
إذا عدنا إلى التاريخ والوقائع، فسبتة ومليلية لم تكونا أبدًا مدينتين مغربيتين. سيطرت عليهما إسبانيا والبرتغال في القرن الخامس عشر، في نفس الوقت الذي سيطرتا فيه على جزر الكناري. والمفارقة أنهما غداة دخول إسبانيا والبرتغال كانتا خاليتين من أي حكم، والسكان الذين كانوا فيهما رحبوا بالإسبان والبرتغاليين تمامًا كما فعل سكان جزر الكناري.
الشيء الآخر المهم أن لا أحد يستطيع أن يتعاطف مع المغرب في زعمه أن سبتة ومليلية مغربيتان. وجودهما جغرافياً في قارة إفريقيا لا يعني أي شيء إذا تعاملنا مع منطق القانون الدولي الحديث والشرعية الدولية. لندع جانبًا تلك المقولة الجوفاء التي تقول إن المدينتين جزء من أرض الأمة. سبب بطلان هذه المقولة بسيط: الجزء من الأمة الذي يتولى مسؤولية الثغرين هو الآن أكثر تصهينًا من الصهاينة، وهو الذي يحارب الأمة ومقدساتها، وهو الذي يدمر غزة وفلسطين. في الواقع، سيخجل أي شخص يدفعه الحماس إلى القول إن سبتة ومليلية مغربيتان. المغرب غير جدي، وينافق فقط حين يقول إنه يطالب بسبتة ومليلية. المطالبة بدون فعل على الأرض هي كذب. لو كان المغرب قد أطلق طلقة واحدة في التاريخ لتحرير سبتة ومليلية لكنا صدقناه جميعًا. ولو كان على الأقل قد رفع دعوى عند الأمم المتحدة يطالب فيها بتقرير مصير سبتة ومليلية لكنا صدقناه. بالمناسبة، المغرب لا يستطيع أن يذكر تقرير المصير في الأمم المتحدة لأنه يحتل الصحراء الغربية ضد الشرعية الدولية وضد القانون الدولي.
الحرب الوحيدة التي يقوم بها المغرب ضد إسبانيا في سبتة هي أنه يرمي سنويًا بآلاف الشباب الأبرياء إلى البحر فيغرقون أو يرسمون صورة مشوهة عن المغرب. في نقاش تلفزيوني إسباني قال أحد المختصين إن عدد القتلى المغاربة في بحر سبتة ومليلية منذ سنة 1996م وصل إلى حد الآن إلى حوالي 36 ألفًا، وأن المغرب لو كان سلّح هذا العدد من الغرقى وهجم بهم على سبتة لاستعادها.
إذن، من الآن فصاعدًا، وتحت هذا الحكم الملكي المتخاذل في المغرب، لا تغرنكم الدعوات الحماسية الكاذبة لتحرير سبتة ومليلية، ولا تغرنكم الأكاذيب القائلة إنهما من أرض الأمة. لقد ظهرت الحقيقة، وهي أن المغرب غير قادر على تحرير سبتة ومليلية، وأنه مقتنع بأنه لن يستعيدهما لا بالقوة ولا بالسلم، وأن كل ما يفعله هو أنه يستعملهما للابتزاز فقط.
في المظاهرات التي نُظمت في إسبانيا ضد المغرب، حملت سيدة لافتة معبرة كُتب عليها: «سبتة إسبانية حتى لو أعدتم الدراجة الهوائية» (والمقصود بالدراجة هو دراجة حصل عليها أحد الملوك المغاربة مقابل بيع سبتة ومليلية).

مقالات ذات صلة