سرّ الطبخة !
نحن لا ننبهر.. لا يركبنا الذهول والتعجب.. لا نستغرب ونستعجب، لكن علينا أن “نعاند ولا نحسد”، علينا أن نستوقف أنفسنا وطاقاتنا ونتساءل بكل منطق وموضوعية، عن سرّ نجاحهم ولغز إخفاقنا، لماذا تمكنوا من النهوض، فيما ما زلنا جالسين أرضا، فأليس لنا من الطاقات والكفاءات والأموال والإرادة، التي تتيح لنا الفرصة لمنافستهم ونفض الغبار عن اقتصادنا وعمراننا وشوارعنا وسياحتنا وصناعتنا؟
زيارتي إلى اندونيسيا، كانت فرصة أخرى لرسم علامات استفهام وتعجب أمام “سرّ الطبخة” التي مكنتهم مثل غيرهم من الدول التي “هربت للزمان”، بينما ما زلنا نحن وللأسف، وعلينا أن نعترف، في مواجهة مشاكل تـفرمل مساعي اللحاق بهم ومنافسهم اقتصاديا وصناعيا وتجاريا وسياحيا.
لهم بحر، لنا بحر.. لهم سماء لنا سماء.. لهم غابات لنا غابات.. لهم مناظر خلابة، لنا مناظر خلابة، لنا صحراء وليس لهم صحراء، فلماذا تنجح سياحتهم ويستقطبون ما لا يقلّ عن 10 ملايين سائح سنويا، من مختلف أقطاب العالم، فيما يفرّ من شواطئنا وغاباتنا وصحرائنا السياح أفواجا أفواجا!
كانت لنا مصانع ضخمة مثل الحجار وسوناكوم و”إيني” بلعباس، لكنها تكاد تتحوّل إلى حلم جميل وجزء من الماضي، بعدما دفناها في مقبرة سوء التسيير والعشوائية والفساد والتدليس والاختلاس والصفقات المشبوهة.. لكنهم نجحوا في تطوير صناعتهم ومصانعهم، فلماذا يا عباد الله!
لقد تحوّلوا في رمشة عين إلى مصدّرين مئة بالمئة، فيما نكاد نتحوّل إلى مستوردين مئة بالمئة، وتحوّلنا إلى رهينة بين أيديهم، يمنحوننا الغذاء والهواء، ويقبضون منا الملايير بالأورو والدولار، وبعدها يموتون من كثرة الضحك على استهتارنا ولا مبالاتنا وتقاعسنا ومنطق “كلّ عطلة فيها خير” و“الشي المليح يطوّل“!
تـُرى: ألا نغار منهم؟، ألا نـُنهي مراحل العزة بالإثم؟، ألا يغار مسؤولونا عندما يطيرون إلى بلدانهم للتجوال والاستجمام والسياحة؟، لماذا لا نستنسخ تجاربهم الناجحة وننافسهم في التفوّق والتألق والبناء والتشييد؟
.. هذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال، أنهم معصومون من الأخطاء والخطايا، وأن كل محاولاتهم ناجحة، وأن كلّ أيامهم بيضاء وعسلية، وأنهم استأصلوا إلى الأبد الفقر والفساد والتمييز والمفاضلة و”الحڤرة” والتدليس.
ضيّعنا صرح القرى الفلاحية، فخسرنا الفلاحة والفلاحين، وضيّعنا مفخرة الحجار وسوناكوم، فخسرنا الصناعة والتصنيع، وضيّعنا إبداع الأسكرام وتاغيت وتيكجدة ولالا ستي وتمڤاد، فخسرنا السياحة والسياح.. لكنهم حوّلوا غاباتهم وشواطئهم وجبالهم إلى منتجعات سياحية تـُبهر العالم بخدع سياحية، وحوّلوا صناعاتهم التقليدية إلى صناعات ثقيلة وحربية تصنع لهم المجد والهيبة!
لقد ضيّعنا الكثير من الوقت في “الهدرة” وتصفية الحسابات و”الهفّ” والمخادعة والكذب والنهب والنصب والحروب الهامشية والصراعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنهكنا أنفسنا بالتوزيع غير العادل للثروات والمسؤوليات، وشتـّتنا جهودنا في التنابز بالألقاب والانتقام، وأرهقنا طاقاتنا في ضرب الريح بالعصا!
نعم، لا ينبغي تسويد كلّ شيء، وتتفيه كلّ الإنجازات، ووأد كلّ الإيجابيات، لكن بالمقابل لا ينبغي لأيّ منا أن يدسّ الشمس بالغربال.. علينا أن نحارب جميعا، اليد في اليد، التكاسل والتقاعس والتسكع على الأرصفة، حتى نخرج من تحت الردم، وهذه صفة من صفات الجزائريين، فنحن لا نستسلم، ننتصر أو نستشهد!