-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سعد الله رجل أمة فرطت ولم يفرط بها

سهيل الخالدي
  • 2836
  • 8
سعد الله رجل أمة فرطت ولم يفرط بها

عرفت الأستاذ الدكتور أبا القاسم سعد الله في سبعينيات القرن الماضي وكتبت عنه في المجاهد الأسبوعي، وكنت حريصا على أن أستمع إلى كل كلمة يقولها في محاضرة أو ندوة، وأن أقرأ كل كلمة ينشرها في مجلة أو كتاب، ولا أحب أن يفوتني أي شيء منها، وقد فاتني الكثير، فمن هو الذي يستطيع أن يتابع كتابات سعد الله؛ فالرجل بالإضافة إلى أنه غزير الإنتاج، فإن الصحف والمجلات الجادة في الوطن العربي وغيرها مفتوحة له في أي وقت، ولكنه كان دقيقا في الاختيار يعرف أين ومتى ينشر.

لم يكن أبو القاسم سعد الله الذي فارقنا السبت 13/12/2013  مؤرخا فقط يسرد أو يعيد صياغة ما يجده في بطون الكتب والمخطوطات، فإنه قبل ذلك كان موقِفًَا، وكان يختار موقفه بعناية ودقة، وكان عفيف اللسان كما هو عفيف القلم، وظل مجاهدا عالي المقام طوال حياته، لم يقتصر رفضه على المناصب الإدارية والوزارية التي عرضت عليه، بل رفض تغيير عنوانه، فلم يتأمرك ولم يتفرنس، رغم ماقدموا له من مغريات وظل يحب طلبته سواء منهم الذين في جامعات الجزائر أو في الجامعات الأمريكية أو في الجامعات العربية.. تجول في العديد من البلدان العربية والأجنبية بحثا عن المخطوطات والمراجع التي تخص التاريخ الجزائري والعربي في اللغات التي يتقنها؛ العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية والفارسية. وكتب وترجم أهم الموضوعات التي تهم الجزائر والجزائريين، فهو الذي ترجم مذكرات الأمير عبد القادر التي كتبها هنري تشرشل، وقد قارنت ترجمته بترجمة أخرى مخطوطة وجدتها في دمشق فرأيت ترجمة سعد الله ليست ترجمة عارف باللغات، بل ترجمة عالم بثقافات الشعوب. أما أطروحته لنيل الدكتوراه عن الحركة الوطنية الجزائرية فيكفي أنها أول أطروحة يكتبها جزائري باللغة الإنجليزية.

وفي كتاباته كشف كثيرا من المؤرخين أصحاب المدرسة الاستعمارية في كتابة تاريخ الشعوب، سواء كانوا من الأوروبيين أو العرب، فهو الذي كشف أجيرون وشارل أندري جوليان الفرنسيين والمؤرخ الأمريكي من أصل لبناني فيليب، حتى أن سعد الله هو الذي كتب لي مقدمة كتابيالإشعاع المغربي قي المشرق العربيوأرشدني ووجهني في كثير من القضايا وفي الندوات التي أحضرها ويكون موجودا، لا أجرؤ على الكلام في حضرته سواء في العاصمة أو في وادي سوف، ولكنني في بغداد تجرأت على تقديمه لمجموعة من المثقفين العرب المناضلين، كان أقلهم الكاتب المناضل صلاح المختار. وأعجب به القوم أيما إعجاب، وأثنوا على دقته العلمية وقدرته على الإقناع وثقافته الموسوعية.. فقد كان رحمه الله يملك ذاكرة جد ممتازة. والتقينا مرة في مطار الجزائر وطلب مني أن أحدثه عن دور جزائريي المشرق في الحرب العالمية الأولى، اكتشفت قدرته على الاستماع ودقته في الأسئلة، رغم أني كنت أعرف أنه أعلم مني بالموضوع. لكن أدبه وعاليَ أخلاقه يجعلانه قادرا على استيعاب محدثيه.

 

وبينما أنا أقلب موسوعتهتاريخ الجزائر الثقافيكدت أطير فرحا.. فهاهو العالم العلامة والمؤرخ الدقيق والكاتب الموقف يعتمد على بعض ما أكتب كمراجع له.. إنه شرف كبير لي. لم أكن أتوقعه أو اأطمح إليه. كان رحمه الله يتتبع أخباري، يسأل عني أو يسألني عنها.. وحين عدت من دمشق عام 2012  هاربا من تلك الحرب التي لاتزال مستعرة حتى كتابة هذه الحروف حصل على هاتفي من الأستاذ الدكتور مصطفى نويصر، وهاتفني وأنا في مخيم اللاجئين في سيدي فرج، مستفسرا عن صحتي واحوالي.. فكانت لفتة كريمة من عملاق كبير. اعتز بها ما حييت، صحيح جدا إن وفاة سعد الله بالنسبة إلي خسارة شخصية، حرقتها ستظل في كبدي طويلا، ولكنها أيضا خسارة وطنية وقومية كبيرة.. وهنا أقول إن الجزائر والعرب عموما فرطوا بمثقفيهم الكبار.. وفي فرص سنحت لفرط هؤلاء بوطنهم وعروبتهم بل وبإسلامهم وغيروا قبعاتهم.. إلا أبي القاسم سعد الله، فقد فرطت به أمته، ولكنه لم يفرط بها، وهاهو يلقنها درسا كبيرا.. فأبى أن يموت في مستشفيات أمريكا وغير أمريكا، وفوجئنا جميعا بوصيته أن يدفن في قريته ڤمار التي كرمته زاويتها التيجانية يوما، ولازالت صوري معه في ذلك التكريم لقطاتٍ من اعتزازي بأني عشت في زمن عاش فيه سعد الله.. لقد تركنا الرجل في أروع حالة يترك فيها عاقل وطنه.. فقد ألف وبنى وأنجب، بل أكثر من هذا، لقد عرّفنا على أنفسنا، فمن كتبه عرفنا من نحن.. وكم أتمنى أن أكون من رفاقه في الجنة..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
8
  • محمد صلاح

    رحلت أيها العربي الجزائري الأصيل

    هكذا هي حالنا ، من لبد أن نلقي لهم ألف بال، يموتون و قد لا يعلم الكثير حتى بموتهم إلى متى و نحن لا نعطي للعلم و أهله مكانة

  • عبد الحكيم س

    لماذا يكتبون عليه وهم اعدا اللغة والدين

  • أمينة صاري

    الشّيء الّذي يحزّ في نفسي إلى جانب فقداننا للدّكتور سعد الله رحمه الله،أنّي في مرحلة الماجستير أردت استشارة الشّيخ عبد الرّحمن الجيلالي رحمه الله في الموضوع،لكنّ الموت سبقني إليه،والآن لمّا أردت استشارة الدّكتور سعد الله في موضوع الدّكتوراه قيل لي أنّه مريض فاستغنيت عن الاستشارة أو لنقل أجّلتها في سبيل سلامته و عافيته، و كي لا أتعبه، حتّى فاجأني خبر وفاته رحمه الله مثلما حدث للجميع،تألّمت كثيرا لأنّي عشت نفس الموقف مرّتين، و تألّمت أكثر لفقدان هذين العالمين الجليلين حينما كنت في أمس الحاجة لهما.

  • حنصالي

    رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته والهم ذويه الصبر والسلوان ان لله وان اليه راجلون

    نطلب من المولى القدير ان يؤخذنا اخذ العزيز على طلب العلم ..وبلا شك ابو القاسم سعد الله قدوة حسنة وبارثه و بهاته القامات الشامخة نقتدى

    شخصيا قرئت له كتاب "الاستعلامات في الثورة جهاز المالغ" كتاب رائع ترك لدي انطباع هائل لم اكن اتصور ان للثورة جهاز استعلامات قوى وهو من كان يؤطر للثورة مما صحح لي بعض المعلومات المغلوطة

    رحم الله الفقيد

  • فتح الله

    لقد كانت حسرتي مضاعفة لما سمعت نبأ وفاة الأستاذ سعد الله, بسبب السؤال الذي راودني حينها : ماهو عدد الجزائريين الشرفاء الذين رفضوا أن يكونوا جزءا من نظام فاسد فخسرتهم الجزائر؟,
    و في مقابل ذلك ماهو عدد المتملقين و المتزلفين الذين تسلقوا المناصب و الرتب فافسدوا البلاد و العباد.

  • عمر للفرزدق

    رحم الله فقيد الجزائر والعروبه والتاريخ ما حزنى عندما رأيت جريدة الوطن ليوم 15-12-2013 تنشر خبر وفاة العملاق في زكن صغير علي آخر الصفحة وفي أسفلها .... لماذا هذا التقزيم ممن يكتبون بالفرنسيه أم ثري أن عقولهم وأفكارم صارت ولاءا لفرتسا.... ان صح كللمي فهم على حق لأن فرنسا لا تحب سعدالله ....... والحديث قياس

  • الفايق

    لا فض فوك ولا أعدم فضل ما تجود به علينا من كلمات تنفذ لعمري إلى الفؤاد كمرور الحليب إلى الصّبيّ.والله أبكيت من انشغل عن بكاء العالم
    الجليل (أبو القاسم سعد الله )رحمه الله.أطال الله عمرك السيد الخالدي

  • أحمد التغزوتي

    كفيت وفيت واخلصت الحب لعالم لجليل والمؤمن مع من أحب أرجو أن تكون معه في الجنة