سقوطنا في الدوحة؟
عندما انهار المُعسكر الشرقي وتفتتت دوله الاشتراكية الكبرى إلى دويلات، زفّ الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لرياضيي بلاده موعد سيطرتهم على مختلف الرياضات، وذكّرهم بأن تحطيم الأرقام القياسية في السباحة والجري والدراجات هو تحطيم لتماثيل بقايا الشيوعية، والفوز بالمعدن الأصفر في الألعاب الأولمبية هو إيذان بالحصول على بقية معادن الدنيا، ومنها الذهب الأسود.
- ولم يكتف الرئيس الأمريكي ومن خلفه بعد ذلك بزفّ الخبر، ولم يكتف بمخاطبة الرياضيين فقط، بل أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية ثورة كبرى جعلتها تسيطر على مختلف الرياضات وتُجبر كل بلدان العالم على مشاهدة علمها وهو دائما في حالة ارتفاع، وتُجبرهم على الاستماع لنشيدها الوطني إلى درجة حفظه لحنا وكلمات، قبل أن تُقرن الصين ثورتها الاقتصادية الكبرى بثورة رياضية نافست وتفوقت بها، وزاد التفريخ الكبير للفضائيات والمواقع الرياضية في اهتمام الأمم بالرياضة، لأن الذين يعرفون اللاعب ”جورج وييا” لم يكونوا يعرفون بلدا إسمه ليبيريا، والذين يعرفون العدّاء ”أوساين بولت” لم يكونوا يعرفون موقع جمايكا.
ومن الغرائب السياسة الرياضية في الجزائر وهي بالتأكيد لا تختلف في غرابتها عن السياسة العامة للبلاد أن القائمين على الرياضة تنقلوا إلى الدوحة للمشاركة في الألعاب العربية برياضيين قالوا أنهم من الشباب لأجل كسب الخبرة أمام بلدان بعضها لم يعترف بالملاكمة كرياضة إلا منذ عشر سنوات، وغالبيتها لا تمتلك رياضة نسوية وكلها أصغر مساحة من الجزائر، فجاءت النتائج أقرب إلى الفضيحة، إلى درجة أن منتخب الكرة الشاطئية خسر ضد عُمان وضد فلسطين التي اغتصب الصهاينة شواطئها وتقارب مساحة شواطئنا الألفي كيلومتر، ومع ذلك يقول مسؤول أن المركز الخامس المؤقت الذي تحتله الجزائر مشرّف ويتحدث عن التشبيب رغم أن بعض الدول شاركت بأطفال وفتيات دون سن الرابعة عشر، لينسف المسؤولون على الرياضة صورة القوة الجزائرية التي أوصلت ألعاب القوى الجزائرية إلى المركز السابع عالميا في بطولة طوكيو 1991 والمركز الأول عربيا في جميع الرياضات في الألعاب الأولمبية في سيدني 2000، وصورة كبار الرياضيين الذين أنجبتهم الجزائر فسيطروا إفريقيا وعربيا وأنقذوا دائما القارة السمراء والبلاد العربية، ولا أحد يفهم كيف يسافر وفد كامل إلى الدوحة للتعلم، وممن يتعلم؟ ولا أحد يفهم أين هي النخبة التي رُصدت لها الملايير؟ ولا أحد أفهمنا كيف يتم التحضير للألعاب الأولمبية التي لا يفصلنا إلا ستة اشهر عن انطلاقتها في لندن؟ ولا أحد أفهمنا إن كانت هناك في العالم دول كبرى بحجم الجزائر التي قارب تعدادها الأربعين مليون نسمة ومساحتها تزيد عن المليونين وربع مليون كيلومتر لا تقدر على منافسة رياضيي قطر التي لا يزيد عدد سكانها عن عدد لاعبي الكرة في الجزائر، ولا تزيد مساحتها عن مساحة ميادين الكرة عندنا.
نعود إلى رونالد ريغان الذي دعا إلى ثورة أمريكية في كل المجالات حتى يُصبح العلم الأمريكي والنشيد الأمريكي “لازمة” التظاهرات الرياضية الكبرى في العالم لنقرن تراجعنا الرهيب رياضيا بتراجعنا في بقية المجالات، حيث ابتلع رؤساء أندية الكرة الملايير من ميزانيات التنمية، فنسفوا بقية الرياضات إلى درجة أن وزير رياضة سابق لا يعرف عدد أشواط الكرة الطائرة، وقوانين كرة السلة، ولن نتحدث عن رياضات أولمبية أخرى، تماما كما ابتلع المديرون التنفيذيون والمسؤولون الكبار في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة بمكاتبهم الفاخرة وسياراتهم ومرتبات سكرتيراتهم الجميلات آمال الشباب، وتمكنوا بعبقريتهم الخارقة أن يجعلوهم أبطالا في “الحرقة” عبر زوارق الموت، بدلا عن الزوارق الشراعية والسباحة، وأبطالا في الجري خلف الأوهام بدلا عن ألعاب القوى، ولأصحاب القلوب الرهيفة ننصحكم بعدم مشاهدة جدول ترتيب الميداليات الخاص بألعاب الدوحة العربية؟