سقوط “الدولة الأمنية”
ما يجري في الوطن العربي يحتاج إلى آليات تفكير جديدة وقدرة فائقة على استيعاب الرأى الآخر، فالفكر الذي نحلل به الأحداث لا يساير متغيرات العصر، والانتقال من الدولة الأمنية إلى “الدولة الآمنة المؤمنة” يبقى مشروعا مفتوحا على كل الاحتمالات.
-
الشبانية والتغيير
-
تحاول السلطة والأحزاب في الجزائر احتواء “المطالبة بالتغيير” عبر محاولات احتواء “المجتمع المدني الشباني” بالوعود والإغراءات وإصدار الأوامر والتعليمات والاجتماعات الماراطونية مع ممثلي الحركات الاحتجاجية. وكأن الجزائر في حاجة إلى “مسكّنات” أو حلول توقيعية. ولا أحد يفكر في مستقبل البلاد والعباد وإنما يفكر في مستقبله على حساب الغير.
-
بالأمس تحولت الأحزاب والجمعيات إلى “لجان مساندة” لسياسة تغيير الدستور وتحويل الجزائر إلى “نظام جملكي”، واليوم يعملون على التحول إلى “مطافئ” لنار مشتعلة في جميع المستويات وفي معظم المدن الجزائرية. وإذا كان لكل حركة شبانية في الجزائر حزب قف وراءها، فإن لكل حزب امتدادا في الجامعات الجزائرية مما جعل المطالب البيداغوجية للطلبة تتداخل مع المطالب السياسية للأحزاب التي تنتمي إليها الحركة الطلابية.
-
إذا كان صراع الأجيال بين الأدباء ظهر في السبعينيات وأن بعض الكتاب الكبار أمثال الدكتور عبد الله ركيبي مد يده ليساعد حركة الشعراء الشباب، فإن البعض الآخر كان لا يؤمن بهذه الحركة. وبفضل حركة الأدباء الشبان سلّم جيل السبعينيات مشعل اتحاد الجزائريين لجيل الثمانينيات ولكن هذا الجيل الذي استلم المشعل تحول إلى لجان مساندة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي مما أفقده شرعية تمثيل الأدباء الجزائريين بمختلف مشاربهم، وأول من أدرك خطر تسييس المجتمع المدني هو عبد الحميد مهري، إذ بمجرد ما تسلم الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني بعد انطلاق التعددية السياسية تخلى عن التنظيمات والاتحادات التي كانت تقتات من فتات جبهة التحرير الوطني، فاضطرت هذه الجمعيات إلى البحث عن موقع جديد لها فاحتواها حزب جديد وهو التجمع الوطني الديمقراطي الذي أنشأه الجنرال محمد بتشين ليكن إبنا غير شرعي لجبهة التحرير الوطني. وأصبحت السلطة برأسين: جبهة التحرير المعارضة بقيادة مهري وجبهة التحرير المساندة للسلطة بقيادة الطاهر بن بعيبش، وقامت الأجهزة الأمنية بالإطاحة بمهري وإلحاق الحزب بـ(بيت الطاعة)، فصار للسلطة حزبان برأس واحد أو رأس بحزبين وكان لابد من البحث عن حزب إسلامي لتشكيل “حزب حاكم” بألوان “الوطنية والديمقراطية والإسلامية” وكأن الوطني لا يستطيع أن يكون ديمقراطيا أو إسلاميا أو كأن الإسلامي ليس وطنيا أو ديمقراطيا، أو أن الديمقراطي لا يحمل الانتماء إلى الوطنية والإسلام.
-
-
الليبيراليون الجدد
-
“التونسنة” و”المصرنة” مفردتان تحملان مضامين جديدة في التنظير للثورات التي تصنعها الشعوب في اليمن وليبيا والبحرين والأردن والمغرب وسوريا والسعودية وغيرها من الأقطار العربية.
-
والتعامل مع هذه الثورات يحتاج إلى آليات جديدة في التفكير تتجاوز ما ورثناه عن الثورات التي حررت الشعوب من الاستدمار الأجنبي مثل الثورة الجزائرية، باعتبار أنها ثورة ضد “الفكر الاستيطاني في نظام الحكم”، وضد ثوريت خيرات الشعوب للأقليات. وتأسست على “المواطنة” التي لا تفرق بين المسلم والمسيحي والفقير والغني ولا الحاكم والمحكوم وقادها الشباب الليبرالي الجديد، و”الإخوان المسلمون” الجدد، والمهمشون وطلاب الجامعات وكل من التقى في فضاء افتراضي حرّ وتحاور حول مستقبله ودوره في المجتمع ولم يخش أحد من الآخر، ولم يعد الآخر هو الجحيم كما يقول جان بول سارتر.
-
بدأ الاتصال افتراضيا عبر الأنترنت بعد أن تعذر عبر وسائل الاتصال الحكومية أو العمومية أو الخاصة، وكان يبحث عن “فضاء آمن” فلم يجد بدّا من النزول إلى الساحات العمومية فكانت تجربة “ميدان التحرير” في مصر أنموذجا للنقاش الحر العلني بين جميع فئات المجتمع، والجدار الفولاذي الذي وضع حدّا لنظام سياسي أمني متماسك، مدعم دوليا بأمريكا وإسرائيل، وعربيا بجامعة الدول العربية وخاصة ما يسمى بدول الاعتدال.
-
يعتقد الكثير بأن لمصر دور أساسي في تاريخ الوطن العرب فهي التي قادت العرب في عهد عبد الناصر إلى العمل العربي المشترك لتحرير فلسطين وهي التي قادت النظام العربي في عهدي أنور السادات وحسني مبارك إلى التطبيع مع إسرائيل وهي اليوم مطالبة بأن تكون منارة للثورة القادمة. وهذا الاعتقاد لا يخلو من الأحكام المسبقة، فما يجري في الوطن العربي من ثورات وانتفاضات وتغييرات يحتاج إلى قراءة جديدة من منطق رؤى جديدة.
-
فالثورات الحالية متعجلة في الانتصار خوفا من الردّة، وقياداتها غير واضحة المعالم، فإذا كانت الثورة التونسية يعود الفضل فيها إلى الثورة التكنولوجية التي وفّرها النظام السابق في البلاد، فإن التعجيل بالانتصار فيها يعود إلى الحركات السياسية الممنوعة في تونس. في حين أن النصر بالنسبة للثورة المصرية مستمد من الحركات الاحتجاجية للأحزاب والمجتمع المدني داخل مصر ضد النظام الجملكي المصري.
-
أما سبب تأخرها في الجزائر فيعود الفضل فيه إلى من عطلوا مشروع كمبيوتر لكل أسرة ومن قضوا على مؤسسة “إيباد” ومن حوّلوا المجتمع المدني إلى لجان مساندة، واندسّوا عبر “الفايسبوك والتوتير” وبقية المواقع الاجتماعية لنشر معلومات خاطئة وافتعال معارك وهمية خوفا من دخول الجزائر في حرب أهلية. إن التخويف بالإسلاميين والإرهاب والتخريب والعنف هي عملة من لا يريد التغيير في الجزائر، وهي عملة فاسدة، لأن التغيير مرتبط بالفكر والثقافة والسلوك وليس بالمظاهر.
-
والخطر يكمن في من يريد احتواء التغيير، فإيران تريد احتواء التغيير في البحرين من منطلق أن الفكر الشيعي قاعدته سياسية. والفكر السني قاعدته دينية عقدية، والأغلبية هي شيعية وإيران تريد إسقاط الأنظمة وليس تغييرها، فهي تريد استبدال نظام سني بنظام شيعي، في حين أن التغيير في البحرين وبقية الأقطار الملكية يكون باعتماد النظام الملكي الدستوري بعيدا عن الدين أو الأقلية. وعندما تسمع مرجعية دينية في طهران تزعم أن الفضل في الثورات العربية يعود إلى الثورة الخمينية، أتساءل: متى كان للثورات في العالم مرجعية دينية طائفية باستثناء الثورة البروتستانتية ضد الكنيسة الكاثوليكية. ولا أعتقد أن الاغتيالات التي طالت الخلفاء الراشدين كانت نتيجة ثورة طائفية أو دينية بما فيها اغتيال علي بن أبي طالب.
-
أعتقد أن القرار الأممي رقم 1973 القاضي بحماية المواطنين الليبيين من نظام القذافي عبر حظر الطيران وقصف كتائب القذافي، هو بداية “حماية دولية” لأي تحرك شعبي، وهو بمثابة توقيع وفاة الأنظمة الديكتاتورية في العالم، بالرغم من أنه ليس في فائدة النظام العربي الجديد.