-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سلطة المثقف والتزاماته

سلطة المثقف والتزاماته

لشعوب الأرض كافة ثقافاتٌ لا حصر لها، يجد فيها من يستهويه الحوار بين البشر ما لذّ له وطاب. والحق يقال، إن لدى معظم الأمم والقبائل ما يفيد الإنسانية، فلا يصلح إلا التعارف أساسا للتعايش بين الناس. أما العدمية والعبثية فتدفعان نحو الفناء، وهو مرمى إبليس وزبانيته لعنهم الله. إن المباهاة بالأسلحة الفتاكة التي تنتجها الدول الكبرى ثم تبيعها للدول كيما يتقاتلوا فيما بينهم فليست بصالحة لمغزى الحياة التي من أجلها وُجد الإنسان إلا في حدود ضيقة. قال تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”.

العلم النافع

وإن من كرم الله تعالى بالأمة المحمدية، أن فضّلها بمعارف خالدة لا يطاولها باطل، وفيها مزية الإقناع وما به تهيمن على ما سواها؛ لذلك لا تعوزك حجّة داحضة ولا معلومة صحيحة في أي مجال من المجالات وأنت تحاور الآخرين في ما لديهم من معارف. لقد كان شأن السابقين الأولين من أمتنا العناية الشديدة بالثقافة الإسلامية، والحرص على عرضها للناس، من دون التخلي عما عند الآخرين من فوائد.

تتيح برامج الترجمة الالكترونية لمن يريد أن يخدم دينه وأمته فرصة تاريخية لم تُتَح للأجيال السابقة، تمكِّن المسلم المعاصر من التبليغ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ولو آية، يبثها في وسائط  التواصل الاجتماعي لأمم الأرض قاطبة وبأي لسان شاء. إن ذلك عمله سهل ميسور، وصاحبه عند الله عز وجل مأجور.

حينما يفترق العلم والعمل به يضيعان معا، فلا العلم يصبح نافعا ولا العمل يغدو مجديا. وحال الطبابة في بلداننا خير شاهد على ذلك. إذ كثيرا ما تجد طبيبا يحمل في فروه تاجرا يلهث وراء المال، يلقّن طالبا في الجامعة علوم الطب لا بنيّة العبادة وخدمة الأمة بل من أجل الثراء والغنى؛ فيتسرب حب الدنيا إلى قلبه مطلع تدرّجه في الكلية ولا يتخرج منها إلا وقد غادرت المعاني الإنسانية قلبه، وتسربت إلى جوانحه فتنة الدنيا فملكته، إلا من رحم ربك.

انظر كيف فقد الطبيب الحكمة، وقد كان يسمى حكيما، عندما غدت معاملته للمرضى نفعية؛ فهي غليظة حينما يكون موظفا في مصحة عامة، ثم تنقلب لطيفة حينما يعمل في عيادة خاصة، وفي كلا الحالين تلفي الطبيب قد افتقد إلى لغة التواصل بشعبه، فلا يكلّم مرضاه إلا بلغة هجينة لا هي بالعربية ولا هي بالإفرنجية. وأكثر ما يعيب هؤلاء الأطباءَ المتاجرين مغالاتُهم في المعاينة، ومتطلباتهم غير الرفيقة بالمرضى، من تصوير وتحليل ومواعيد لزيارات لا تكاد تنتهي، غير آبهين بأحوال الناس ولا بالمال من أين يأتون به إليهم لقاء مداواة قد لا تفلح.

لست أدري كيف استمرأ الأطباء أخذ أثمان باهظة، أكثرها أثقل كاهل المرضى قد جمعوه للحكيم من المتبرعين والمحسنين، من أجل عمليات جراحية لا تتطلب جهدا كبيرا ولا وقتا طويلا، وكأني به يتاجر بخبرة اكتسبها وقد أينع قطافها، وآلات طبية تحتسب خدمتها في الأجرة لا ينقص من عملها شيء. ثم هل رأيت طبيبا يرتاد المساجد ويتلو في بيوت الله قرآنا؟ إنك قلّما تجد أحدا يفعل ذلك، وهو إن عزّ نظيره بين قومه هددهم بالهجرة، وإن هاجر عاد في بلاد الاغتراب إلى حجمه الحقيقي وربما أقل من ذلك، واسأل عمن هاجر إبان جائحة كورونا كيف استغله الغرب شرّ استغلال.

انتشرت بين الناس أخبار طبيب مصري عبر الإعلام، أكبر الناس فيه شفقته على مرضاه فلقّبوه بـ”طبيب الغلابة“، وهلك الرجل فأبت الأقدار إلا أن تبقي ذكره بما كان يصنع لا بما كان يُدعى. وحذا حذوه آخرون لكن على استحياء، وآثر أكثر الأطباء الاستثمار في الفراغ الذي خلّفته مشافي الدولة جراء التسيير الرديء رغم ما يُنفق عليها من أموال عامة. والراجح أن فسادا استشرى من هذا التسيب المقصود، وجد فيه انتهازيون، لا رحمة في قلوبهم، فرصة للتربُّح المشبوه، ولو كان على حساب معاناة شعبهم ومآسيه.

بوار الأبحاث العلمية

يحار طلاب الجامعة في اختيار أبحاثهم العلمية كما يحارون في المنهجية التي تساعدهم على معالجة ما يختارون من موضوعات تؤهّلهم للتخرج من الجامعة بكفاءة تنفعهم في مشوارهم العملي. يسري ذلك الانطباع على كل الطلاب بمن هم في مرحلتي الماستر والدكتوراه.

أكثر الطلاب يكرر الموضوعات التي قُتلت بحثا، أو يستوحي موضوعات من أخرى قد بُحثت في جامعات أجنبية، وآخرون يسرقون ولا يحيلون ظنا منهم بأنهم في مأمن من انفضاح أمرهم… وأصناف أخرى تلتقي جميعا على رداءة ما يقدَّم من أبحاث، ورداءة مستوى الخريجين، ورداءة أدائهم بعدما يتوظفون في الحياة المهنية.

تلقى “الأبحاث” التي اكتسب بها أصحابها ألقابا علمية في الرفوف، وقلة من تلك البحوث تعرف طريقها إلى النشر، وحينها فقط يعرض الباحث صفحة عقله على الملأ، وللعقول الناقدة كلمتها الفصل ساعتذاك.

تتيح برامج الترجمة الالكترونية لمن يريد أن يخدم دينه وأمته فرصة تاريخية لم تُتَح للأجيال السابقة، تمكِّن المسلم المعاصر من التبليغ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ولو آية، يبثها في وسائط  التواصل الاجتماعي لأمم الأرض قاطبة وبأي لسان شاء. إن ذلك عمله سهل ميسور، وصاحبه عند الله عز وجل مأجور.

ما يلفت الانتباه في هذه الرحلة الطويلة في طلب العلم، أن الباحثين يفتقدون إلى المواقع الآمنة علميا، أي التي يطلّون من خلالها على الموضوعات المبحوثة، فيستحيلون إلى ريشة في مهبّ رياح المعارف التي يعالجون، خاصة العلوم الإنسانية منها، إذ يسيطر أساطين الفكر الغربي سيطرة كاملة بما لهم فيها وما عليهم. أما الأبحاث في العلوم الكونية فهي لا تزال تسبح منذ قرون في فلك مقلوب لا إيمان فيه ولا أمان، رغم مخرجاتها التي تبدو حقائق علمية، ولكنها في المنظور العرفاني قد لا تكون كذلك.

ولنضرب أمثلة عن هذا يتضح بها المراد؛ فمما يتداوله المشرّعون عن معايير التوظيف مستمد معظمه من القوانين الفرنسية، وللشرع الحنيف شروطه الخاصة به هو أيضا؛ إن تناول الباحث هذا الموضوع من المنظور الإسلامي ينير للقارئ المعضلات التي تعاني منها الوظيفة العمومية، العاجزة حتى اليوم عن القيام بواجبها في تسيير شؤون الدولة.

مفهوم آخر يجري كثيرا على ألسنة التربويين، مفاده أن المتعلم هو محور العملية التعليمية، من دون النظر إلى الخلفية الفلسفية التي بُني عليها هذا المفهوم، كالوجودية والبراغماتية؛ الأمر الذي يجعل الباحث يجترّ ما يقرأ فيغدو بوقا وهو لا يشعر، ثم تتجرّأ الوزارة الوصية على تطبيق ما يفد إليها من هناك من دون غربة ولا تمحيص وكأن التلاميذ حقول تجارب مستباحة. سيجد التربوي ذو المنطلقات الإيمانية خللا بيِّنا يفسر به مآزق التربية الحديثة، التي لا ترى أن الإنسان مخلوقٌ خاضع لتعاليم من خلقه حينما ينشأ، وما حاجاته الخاصة إلا جزء بسيط من تكوينه حينما يُربى.

ويقال مثل ذلك في عالم المال والأعمال، خاصة فيما يتعلق بالأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الحرّ في الغرب والاشتراكية الجديدة في الشرق خلال عصرنا الراهن.

حينما يفترق العلم والعمل به يضيعان معا، فلا العلم يصبح نافعا ولا العمل يغدو مجديا. وحال الطبابة في بلداننا خير شاهد على ذلك. إذ كثيرا ما تجد طبيبا يحمل في فروه تاجرا يلهث وراء المال، يلقّن طالبا في الجامعة علوم الطب لا بنيّة العبادة وخدمة الأمة بل من أجل الثراء والغنى

ولكن، أنّى للباحث الجامعي اليوم بتلكم الربوة الآمنة، ذات القرار والمعين، التي يستقي منها معارف مفيدة، تبعث في جهده العلمي الحياة الحقيقية ما بقي الليل والنهار؟

مواقع الريادة الخاوية

تردد المؤمن عن قول الحق خوفا من السلطان من تلبيس إبليس، الذي يتشفى من المسلم إذا ما رضي من دينه بأضعف الإيمان، أي إنكار المنكر بقلبه لا بقوله ولا بيده.

قد يكون هذا الموقف مفهوما في حق الناس عامّتهم، أي ممن لا يمتلك المعرفة التي تدفعه دفعا للذود عن الحق والوقوف في وجه الظلم غير مبال بالتضحيات، رغم أن بعض هؤلاء العوامّ يتجاوز عائق المعرفة ويلتحق بالذين يبلّغون رسالات ربهم ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، كما جاء في الحديث الشريف: “إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِر”.

لست أدري كيف استمرأ الأطباء أخذ أثمان باهظة، أكثرها أثقل كاهل المرضى قد جمعوه للحكيم من المتبرعين والمحسنين، من أجل عمليات جراحية لا تتطلب جهدا كبيرا ولا وقتا طويلا، وكأني به يتاجر بخبرة اكتسبها وقد أينع قطافها، وآلات طبية تحتسب خدمتها في الأجرة لا ينقص من عملها شيء.

بيد أن طلاب الشريعة وأساتذتها، أهل الريادة من الأمة وأكثر الناس علما بالدين وأليق الناس بهذا الفضل الكبير، تجدهم منزوين على أنفسهم، مشتغلين بعلوم قليلة النفع في عصرنا الحالي، وجِلين من الحق ويخافون في قوله لومة لائم، متلهّفين على الوظيفة وكأنها ستغنيهم من جوع، قد تخلّوا عن واجبهم في تبليغ ما أنزِل على الرسول الكريم تبليغا كاملا غير منقوص، وغفلوا عن مصادر الرزق الحقيقية التي تغنيهم عن العيش الذليل كما أغنت غيرهم من البسطاء والعوام.

إنها ظاهرة مرتبة على عين الله عز وجل، وفيها من الحكمة البالغة، لمن يتدبر الأقدار كيف تتصرف بالناس، ما تشخص فيه الأبصار!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!