سلطة المعرفة تنتصر على سلطة المال والسلاح
يجمع المتابعون للوضع في تونس بأن ثورة الشعب التونسي ضد ديكتاتورية بن علي ونجاحه في إسقاط نظامه الفاسد هو النتيجة الحتمية لانتشار الوعي بين التونسيين الذين يجنون اليوم ثمار توجههم منذ عقود نحو خيار المعرفة، مما أنتج عند الجيران طبقة متوسطة واسعة مشكلة أساسا من نخبة متنورة قوامها جامعيون ونقابيون ومعلمون ومحامون وأطباء تمكنوا من الحصول على تعليم جيد .
- وللتأكيد على هذا الإتجاه في التحليل، تأتي التقارير الدولية لتكشف “نجاح” التجربة التعليمية في تونس، المصنفة الأولى في المغرب العربي، والمتوقع لها تحقيق أهداف الأمم المتحدة سنة 2015 المتضمنة محو الأمية إلى جانب توفير التعليم للجميع، وهو مشروع تربوي يستهلك كل سنة ما لا يقل عن 20 بالمائة من ميزانية تونس.
- ورغم انتشار وسائل الجذب العصرية، إلا أن التونسيين يصنفون ضمن الشعوب العربية والإفريقية الأكثر إقبالا على الكتاب، فكل التقارير تشير إلى أن أكثر من 5 ملايين تونسي، أي نصف الشعب المقدر عدده بعشرة ملايين، يطالعون 3 كتب على الأقل في السنة، وهو ما يفسر الإقبال الكبير على المكتبات العمومية الـ 340 التي تحوزها تونس، تضم ما لا يقل عن 5 ملايين عنوان، أي بمعدل عنوان لكل تونسيين، وهو معدل محترم جدا حسب مقاييس اليونسكو.
- كما تأتي التقارير الدولية لتفسر نجاح الشعب التونسي في استغلال وسائل الاتصال الحديثة لنقل ثورته إلى الخارج، وانتصاره على القمع الإعلامي الذي مارسه عليه نظام الرئيس البائد طيلة شهر، فالتقرير العالمي التاسع حول تكنولوجيا الاتصال والمعلومات لسنتي 2009 – 2010 الذي أعده منتدى دافوس الاقتصادي بالتعاون مع المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال، صنف تونس في المرتبة الأولى مغاربيا وإفريقيا، و39 عالميا من بين 133 دولة شملها التقرير. وأضاف التقرير بأن تونس تتقدم في هذا المجال على العديد الدول المتطورة في ميدان تكنولوجيات المعلومات على غرار إيطاليا والهند وأندونيسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا وروسيا والمجر فضلا عن مصر والمغرب والمكسيك ورومانيا وكرواتيا.
- وتكشف تقارير أخرى بأن عدد الحواسيب في تونس فاق المليون ونصف المليون في 2010، بينما عدد مستعملي الأنترنت فقد جاوز الثلاثة ملايين ونصف المليون، أما عدد المشتركين في فايس بوك فقد تجاوز إلى غاية ديسمبر 2010 مليونا ونصف المليون، مما يعني أن 15 بالمائة من الشعب التونسي مرتبط بهذه الشبكة العالمية. كما تكشف آلية “غوغل إينسايت فور سيرش” بأن “فايس بوك” هي الكلمة الأكثر بحثا على النت في تونس، وبأن هذه الأخيرة تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد تركيا في هذا المجال.
- ويقرأ الدكتور سليم قلالة، الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة الجزائر والمختص في الدراسات الاستشرافية، ثورة الوعي للشعب التونسي فيؤكد في تصريح لـ “الشروق” على أن: “هناك معادلة بسيطة لدى مختصي مجتمع المعرفة تقول أنه بقدر توزيع المعرفة ينبغي أن يحدث توزيع مماثل في السلطة في كل مستويات هذه الأخيرة، وإلا حدث الاضطراب، وبقدر حجم الخلل يكون حجم الاضطراب وتكون حدة التغيير”.
- يرى قلالة بأن ما حدث في تونس “أن النظام التعليمي أدى إلى توزيع واسع للمعرفة على جميع الشرائح الاجتماعية بغض النظر عمن تملك من ثروة، واستأثرت السلطة بالثروة المادية وبوسائل الدفاع عنها كالقوة العسكرية، ظنا منها أن لا علاقة بين توزيع المعرفة وتوزيع السلطة، فإذا بالمعادلة تؤكد صحتها بلا مجال للشك”، قبل أن يضيف: “الأسبقية في القرن الحادي والعشرين هي لسلطة المعرفة على سلطة المال والقوة العسكرية، من يتحكم فيها يتحكم في السلطة إن عاجلا أم آجلا، وهو ما حدث أن الوسائل التكنولوجية المتقدمة التي تحكمت فيها النخبة التونسية بكفاءة “أنترنت” ووسائل الإعلام، هي التي كانت أداة التغيير وليست الأدوات التقليدية في يدها، وبقيت السلطة ضمن الأساليب الكلاسيكية للمواجهة، أدوات القرن الماضي فخسرت الرهان. وربحت النخبة”.. ربما لهذا تصر الأنظمة العربية على تجهيل شعوبها.