الرأي

سهرة قديمة مع راحل جديد.!

مروان ناصح
  • 1858
  • 0

رحل منذ أيام رائد كبير من رواد المسرح العربي، وكاتب بارز من كتاب السيناريو السينمائي، والدراما التلفزيونية وناقد فذ للسينما والدراما التلفزيونية، ومترجم طويل الباع، عميق التأثير لعديد من الكتب الفنية العالمية المختارة، ومساهم في التأسيس والإدارة، وتدريس الفن.. وكل هؤلاء الرجال المميزون هم: المثقف السوري الكبير الدكتور رفيق الصبان.

أما كيف التقيت هذا المثقف العملاق في تلك الجلسة الوحيدة التي لا أنساها.. فكان الفضل فيها للأديب الكبير الصديق عادل أبو شنب – الذي رحل هو الآخر عن دنيانا في عام 2012 – وكان قد حمّلني شيئاً ما (ربما كان كتاباً.. لم أعد أذكر) لأوصله إلى صديقه العزيز رفيق الصبان، في إحدى سفراتي إلى القاهرة، في مطالع التسعينيات، فاستبشرت بهذه الوسيلة – الفرصة للتسلل إلى عرين هذا العلم السوري ذي الاسم المدوي في فضاء الثقافة المصرية..!! وكم سرّني أن يكون منزله قريباً جداً من الشقة التي كريتها على بعد خطوات من منزل أمير الشعراء أحمد شوقي في الجيزة.. كما سرّني أيضاً ذلك الترحيب الحار، ودعوته الفورية إلى منزله الرحيب، في ذلك المساء القاهري الصيفي ذي الهواء المثقل  بالغبار والأكاذيب” على حد تعبير أديب نوبل نجيب محفوظ..

وما أسرع ما دخل “تعارفنا” في إهاب معرفة، وصداقة قديمة متجددة..!! وفي ذاكرتي – التي أججها رحيل هذا الرجل الكبير – كلمات، ومعلومات، وحكايا، واحتجاجات، وتفسيرات كثيرة جداً، تضيء جوانب عديدة من حياة هذا الرجل الداخلية العميقة التي ربما رواها لسواي قبلي.. ولكنها مما سمعته منه لأول وآخر مرة، في تلك السهرة التي امتدت لأكثر من خمس ساعات، لم يعرف الملل إليها طريقاً..!! :

1

قلت له: من أجمل ما حدثني به أديبنا الكبير عادل أبو شنب عنك – وهو كثير – أنك كتبت نقداً عن مسرحية لفرقة الكوميدي فرانسيز، على أنها عرضت في دمشق، ولكنهم اكتشفوا أن العرض لم يحدث، وأجل في اللحظات الأخيرة.. لكن بعد أن كان قد نشره في الصفحة الثقافية التي يشرف عليها..!! فعلق ضاحكاً:

لقد اتصل بي عادل محتجاً على هذه الورطة، بل الفضيحة، فأسكته بكلمتين: لقد طلبت مني أن أكتب.. وماذا أفعل إذا كانت طلباتك عندي أوامر..!!

.

2

وحين عرف أنني من أبناء الشمال السوري.. غمرته هزة محبة، قائلاً:

– أنتم الشماليون أصحاب ضمير، وصراحة، وشجاعة جديرة بالإعجاب.. فقد كان لي زميل في كلية الحقوق بدمشق اسمه “حسام حيزة”، وقد صار محامياً معروفاً في مدينته دير الزور لاحقاً.. هل تعرف ماذا فعل هذا الزميل..؟؟ لقد كان الزعيم “حسني الزعيم” – صاحب أول انقلاب في سورية – يوزع بنفسه شهادات التخرج في كلية الحقوق، على مدرج جامعة دمشق.. وحين جاء دور هذا الطالب الديري.. فاجأنا بأنه رفض مصافحة الزعيم.. وسحب من يده شهادة التخرج، واستدار ملوحاً بها في وجوه الجمهور الحاشد، صارخاً ملء حنجرته: إنني أحمل شهادة الحقوق، في بلاد ليس فيها حقوق.. فليسقط الطاغية حسني الزعيم..!! فهل تتخيل ماذا حصل لهذا الطالب؟!! شيء يفوق الخيال..!! لقد اعتقله عسكر ذلك الزمن، وقادوه إلى السجن.. دون أن يمسوه حتى بصفعة واحدة.. ثم إنه كان محظوظاً أيضاً.. إذ لم يلبث أن خرج من السجن بطلاً، عند سقوط الطاغية حسني الزعيم في انقلاب جديد عليه، بعد شهر واحد من هذه الحادثة..!! بل هذا الحدث المسرحي الرائع الذي يندر أن تقدمه لنا الحياة في مجتمعات الذل والاستبداد..!!

.

3

وسألته عن سر اختياره مصر للإقامة الدائمة، فأجاب دون تفكير:

– إنها المصادفة.. فقد كنت أريد أن أنأى بنفسي عن أجواء دمشق التي تلوث هواؤها بروائح الدسائس والمؤامرات والأكاذيب والمضايقات الإدارية والإنسانية.. فقررت العودة إلى باريس بقصد العمل والإقامة.. وفي طريقي إليها مررت بالقاهرة.. حيث أتيحت لي الفرصة الرائعة لأكتب أول سيناريو سينمائي في حياتي.. الفيلم الذي هز أركان السلطة المصرية في عام 1972.. إنه فيلم “زائر الفجر” – كما تعلم – فدفعني نجاح ذلك الفيلم إلى أن أسلم نفسي لجاذبية مناخ الإبداع في هذا البلد العريق..!!

.

4

وأذكر أنني سألته عن هوايته الأصيلة بعيداً عن كل ما هو معروف عنه من أنشطة إبداعية وثقافية (إخراج كثير من المسرحيات الكلاسيكية والمعاصرة- 25 فيلماً – 16 مسلسلاً- حفنة من الكتب المترجمة والمؤلفة – والكثير من التفاصيل – الإبداعية الأخرى، والعملية أيضاً – المتوفرة لمن يطلبها بأيسر السبل) فأجابني بصوت عاشق لا تفتر له همة في الغرام:

– سأجيبك بما سبق لـ “جان كوكتو” أن أجاب به على هذا السؤال التقليدي: الكتب.. وحين سئل عن أمتع اللحظات في حياته، أجاب: تلك التي أقضيها مع كتاب جديد ممتع.. حيث ترقى فرحتي بما أجده فيه من أفكار جديدة إلى تلك القمة من الفرح العظيم الذي يغمرني عندما أقبل أجمل امرأة في الدنيا..!!

.

5

 

ولم يتكرر ذلك اللقاء المدهش بذلك المبدع الكبير حتى في طريقة حياته.. ولكن في ذاكرتي أشياء جميلة أخرى من حوارات تلك السهرة التي انتهت بعد منتصف الليل بكثير.. ولكن تأثيرها لم يتلاش في نفسي إلى الآن.. وقد تكون لي عودة إليها في سياق هذه الذكريات والتأملات.

مقالات ذات صلة