سوداء.. خرساء!
المذكّرات والشهادات والاعترافات التاريخية، لم تعد مفيدة لجيل الاستقلال، وحتى جيل الثورة نفسه، لأنها انزلقت إلى اتهامات وتوريطات، وأحيانا للأسف سبّ وشتم وتجريح وإساءة، وفي كثير من الحالات سلكت طريق الانتقام وتصفية الحسابات، وهذا أخطر ما في الحكاية!
الأكيد أن ما يأتي على لسان وكتابات هؤلاء وأولئك، فيه الكثير من الحقيقة، لكن ألا يُمكن لهذه الحقيقة “المرّة” أن تـُقدم حتى ولو بالتراشق في صحن نظيف، يخدم المستمع والقارئ، بدل أن نغرق جميعنا، في كأس فارغة، لا نحن شربنا منها، ولا نحن تمتعنا بالنظر إلى مائها العذب!
عمليات التسميم والتعميم والترميم والتنويم والتعتيم، أفرغت الكثير من الشهادات من محتواها، وأفقدت الساحة ذوق متابعتها بكثير من التشويق رغم ما فيهما من التزويق، والمصيبة، أن الإدلاء بشهادات قديمة لا يعرف منها جيل 2015، إلاّ الإثارة وتبادل التهم، لا تجد في أغلب التجارب “صوتا ثالثا” يرجّح رواية هذا على ذاك، أو يجرّم هذا ويبرّئ ذاك!
دون، شكّ فإن التاريخ هو مفتاح الحاضر وباب المستقبل، وهو أيضا العلبة السوداء التي تعدل بين الناس، لكن الملاحظ في كثير من الشهادات والمذكرات، رغم أهميتها وخطورتها، أنها تبقى كمن يؤذن في مالطا، أو يبحث عن مسجد للصلاة في التبت أو القطب المتجمّد!
رحلت الكثير من العلب السوداء دون أن تكشف النقاب عن “أسرارها” وما تعلم من خفايا وخبايا، وتكلم البعض منها وفجّر قنابل عنقودية وفوسفورية، ويلتزم البعض الآخر منها صمت القبور، لا هو أدلى بشهادة حقّ ولا بشهادة زور، ولا هو تدخل لصالح هؤلاء أو ضدّ أولئك!
بعض الأحداث المصيرية والمفصلية، لا تـُعرف إلاّ بمرور عشرات السنين، وإلاّ بعد أن يصبح صانعوها وأبطالها وضحاياها وأضاحيها والمتهمون والمتورّطون فيها، ضمن قائمة السابقين ممّن تغمّد الله روحهم برحمته الواسعة وأسكنهم فسيح جناته وألهم ذويهم جميل الصبر والسلوان!
هناك الكثير من الأسماء الثقيلة والمحورية في فترات سابقة من تاريخ الجزائر الحديث، “لا يعرفها” الجيل الجديد. وأعتقد أن هذه جريمة أخلاقية، المسؤولية فيها مشتركة، ولذلك مهما صدرت الشهادات والكتابات بشأنهم فإنها لا تثير سوى جيلهم الذي يعرفهم، إمّا حبّا أو خوفا أو كُرها، وكذا الشرائح القليلة المطلعة على التاريخ المردوم!
الأهم في هذا الموضوع المهمّ، ألا يُزور التاريخ، ولا تزيّف الحقائق، وما عدا هذا، فليتنافس المتنافسون في إضاءة الغرف المظلمة، ليس لفضح “الأوساخ” ولكن من أجل تنظيفها!