الرأي

سوداء‮.. ‬خرساء‮!‬

جمال لعلامي
  • 1577
  • 0

المذكّرات والشهادات والاعترافات التاريخية،‮ ‬لم تعد مفيدة لجيل الاستقلال،‮ ‬وحتى جيل الثورة نفسه،‮ ‬لأنها انزلقت إلى اتهامات وتوريطات،‮ ‬وأحيانا للأسف سبّ‮ ‬وشتم وتجريح وإساءة،‮ ‬وفي‮ ‬كثير من الحالات سلكت طريق الانتقام وتصفية الحسابات،‮ ‬وهذا أخطر ما في‮ ‬الحكاية‮!‬

الأكيد أن ما‮ ‬يأتي‮ ‬على لسان وكتابات هؤلاء وأولئك،‮ ‬فيه الكثير من الحقيقة،‮ ‬لكن ألا‮ ‬يُمكن لهذه الحقيقة‮ “‬المرّة‮” ‬أن تـُقدم حتى ولو بالتراشق في‮ ‬صحن نظيف،‮ ‬يخدم المستمع والقارئ،‮ ‬بدل أن نغرق جميعنا،‮ ‬في‮ ‬كأس فارغة،‮ ‬لا نحن شربنا منها،‮ ‬ولا نحن تمتعنا بالنظر إلى مائها العذب‮!‬

عمليات التسميم والتعميم والترميم والتنويم والتعتيم،‮ ‬أفرغت الكثير من الشهادات من محتواها،‮ ‬وأفقدت الساحة ذوق متابعتها بكثير من التشويق رغم ما فيهما من التزويق،‮ ‬والمصيبة،‮ ‬أن الإدلاء بشهادات قديمة لا‮ ‬يعرف منها جيل‮ ‬2015،‮ ‬إلاّ‮ ‬الإثارة وتبادل التهم،‮ ‬لا تجد في‮ ‬أغلب التجارب‮ “‬صوتا ثالثا‮” ‬يرجّح رواية هذا على ذاك،‮ ‬أو‮ ‬يجرّم هذا ويبرّئ ذاك‮!‬

دون،‮ ‬شكّ‮ ‬فإن التاريخ هو مفتاح الحاضر وباب المستقبل،‮ ‬وهو أيضا العلبة السوداء التي‮ ‬تعدل بين الناس،‮ ‬لكن الملاحظ في‮ ‬كثير من الشهادات والمذكرات،‮ ‬رغم أهميتها وخطورتها،‮ ‬أنها تبقى كمن‮ ‬يؤذن في‮ ‬مالطا،‮ ‬أو‮ ‬يبحث عن مسجد للصلاة في‮ ‬التبت أو القطب المتجمّد‮!‬

رحلت الكثير من العلب السوداء دون أن تكشف النقاب عن‮ “‬أسرارها‮” ‬وما تعلم من خفايا وخبايا،‮ ‬وتكلم البعض منها وفجّر قنابل عنقودية وفوسفورية،‮ ‬ويلتزم البعض الآخر منها صمت القبور،‮ ‬لا هو أدلى بشهادة حقّ‮ ‬ولا بشهادة زور،‮ ‬ولا هو تدخل لصالح هؤلاء أو ضدّ‮ ‬أولئك‮!‬

بعض الأحداث المصيرية والمفصلية،‮ ‬لا تـُعرف إلاّ‮ ‬بمرور عشرات السنين،‮ ‬وإلاّ‮ ‬بعد أن‮ ‬يصبح صانعوها وأبطالها وضحاياها وأضاحيها والمتهمون والمتورّطون فيها،‮ ‬ضمن قائمة السابقين ممّن تغمّد الله روحهم برحمته الواسعة وأسكنهم فسيح جناته وألهم ذويهم جميل الصبر والسلوان‮!‬

هناك الكثير من الأسماء الثقيلة والمحورية في‮ ‬فترات سابقة من تاريخ الجزائر الحديث،‮ “‬لا‮ ‬يعرفها‮” ‬الجيل الجديد‮. ‬وأعتقد أن هذه جريمة أخلاقية،‮ ‬المسؤولية فيها مشتركة،‮ ‬ولذلك مهما صدرت الشهادات والكتابات بشأنهم فإنها لا تثير سوى جيلهم الذي‮ ‬يعرفهم،‮ ‬إمّا حبّا أو خوفا أو كُرها،‮ ‬وكذا الشرائح القليلة المطلعة على التاريخ المردوم‮! ‬

الأهم في‮ ‬هذا الموضوع المهمّ،‮ ‬ألا‮ ‬يُزور التاريخ،‮ ‬ولا تزيّف الحقائق،‮ ‬وما عدا هذا،‮ ‬فليتنافس المتنافسون في‮ ‬إضاءة الغرف المظلمة،‮ ‬ليس لفضح‮ “‬الأوساخ‮” ‬ولكن من أجل تنظيفها‮!‬

مقالات ذات صلة